تستحضر الذاكرة التاريخية معاهدة صلح ويستفاليا عام 1648، التي وضعت حداً لقرون من الحروب الدينية الدامية في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت. تلك المعاهدة لم تنهِ الخلافات العقائدية، لكنها أرست قواعد سيادية منعت التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما مهد الطريق لاستقرار القارة العجوز وازدهارها لاحقاً.
في المقابل، تعيش المنطقة العربية وجوارها الإقليمي حالة من الاستنزاف المستمر منذ عقود، بدأت بصراعات قومية وانتهت بتمزق جغرافي فرضته اتفاقيات دولية. ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت المنطقة في نفق مظلم من المواجهات المباشرة وغير المباشرة التي استهلكت مقدرات الشعوب.
لقد كانت الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات نموذجاً صارخاً لإهدار الأرواح والمليارات، مخلفة جراحاً غائرة في جسد الأمة لم تندمل حتى اللحظة. هذا الصراع لم يتوقف عند الحدود الجغرافية، بل تمدد ليشمل ساحات عربية متعددة في لبنان وسوريا واليمن، محولاً إياها إلى ميادين لتصفية الحسابات.
تشير القراءات السياسية إلى أن القوى الدولية والكيان الصهيوني كانوا المستفيد الأكبر من حالة الانقسام التاريخي بين العرب وإيران. فقد جرى توظيف الخلافات المذهبية القديمة وتضخيمها عبر منصات إعلامية وجيوش إلكترونية لتحويل الصراع السياسي إلى مواجهة وجودية بين الشعوب التي تعايشت لقرون.
إن تحويل المذهبية من خلاف فكري إلى أداة تعبئة عسكرية أدى إلى نتائج كارثية، تمثلت في تدمير دول كاملة وتشريد الملايين وإنهاك الاقتصادات الوطنية. واليوم، تقف المنطقة فوق فوهة بركان يهدد الملاحة الدولية في مضيق هرمز ويضع السيادة العربية والإقليمية على المحك أمام التدخلات الخارجية.
تأتي الدعوة اليوم لعلماء وحكماء المنطقة لتمهيد الطريق نحو ما يمكن تسميته بـ 'صلح مكة'، وهو إطار يهدف لكسر الحلقة الجهنمية من الصراعات. هذه المبادرة لا تسعى لذوبان عقائدي، بل تهدف لإعلاء منطق الأخوة الإسلامية والتعايش الإقليمي المبني على المصالح المشتركة.
💬 التعليقات (0)