بين جولات تصعيد عسكري لا تُفضي إلى حسم، ومفاوضات تدور في حلقة مفرغة من الشروط المتبادلة والسقوف المرتفعة، تتكشف يوما بعد آخر ملامح مأزق إستراتيجي عميق يُحيط بالمواجهة الأمريكية الإيرانية، وتتقاطع حوله خيوط متشابكة بين شروط أمريكية لا تقبل بأقل من تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ورفض إيراني للتفاوض تحت وطأة التهديد العسكري، مع تصعيد ميداني حول مضيق هرمز لا يبدو أن أيًّا من طرفيه قادر على ترجمته إلى نصر حاسم.
ومنذ فبراير/شباط الماضي، تحول ذلك التوتر حول البرنامج النووي الإيراني إلى مواجهة مفتوحة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والمخاوف الإقليمية، ولم يعد السؤال مقتصرا على من يملك التفوق في ميدان المعركة، بل بات يمتد إلى سؤال أكثر إلحاحا: لماذا يتعثر الحل رغم أن كلفة الجمود باتت تُثقل كاهل الجميع؟ وإلى متى يستطيع العالم أن يتحمل فاتورة اقتصادية وإنسانية تتضخم مع كل يوم تمر فيه هذه الأزمة من دون أفق واضح للتسوية؟
ولذلك يستعرض هذا التقرير رؤى عدد من المحللين والمسؤولين والخبراء يتوزعون بين البنتاغون والخارجية الأمريكية وجامعة طهران وصندوق النقد الدولي ومعهد كوينسي، وتتكامل آراؤهم لتغطية مختلف أبعاد الأزمة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والإقليمية والإنسانية بالمنطقة، بحثا عن إجابات محددة لأسئلة باتت تطرق أبواب كل بيت ومصنع ومزرعة من نيودلهي إلى نيويورك.
حين يضع كل طرف سقفا يراه حدًّا أدنى غير قابل للتنازل تتحول طاولة المفاوضات إلى مسرح لاستعراض الشروط وليس لصناعة الحلول، وهذا تحديدا ما يحدث الآن بين واشنطن وطهران: ليس خلافا على تفاصيل تقنية، بل يقف الطرفان على جهتين متناقضتين جذريا في تعريف ماهية التسوية ذاتها، مما يجعل كل مقترح يصطدم بجدار الطرف الآخر قبل أن يُختبر عمليا أو توضع تفاصيل تحقيقه.
فمن جهة واشنطن، يبدو الموقف محسوما بوضوح لا يحتمل التأويل، حيث يضع المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت منع إيران من امتلاك سلاح نووي هدفا مركزيا لا يقبل المساومة، معتبرا أن "السلام في الشرق الأوسط غير ممكن في ظل امتلاك النظام الإيراني سلاحا نوويا".
ويؤكد بيغوت -في تصريحات للجزيرة- أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "لن يستعجل للوصول إلى صفقة سيئة"، مبينا أنه "صانع صفقات" يسعى إلى اتفاق يخدم المصالح الأمريكية ويحقق الاستقرار.
💬 التعليقات (0)