الكاتب: د.احمد رفيق عوض - مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية.
بعد أكثر من سبعين عاماً على قيام إسرائيل، تبدو هذه الدولة اليوم كما لم تبدُ من قبل؛ عارية من كثير من الادعاءات التي حاولت تسويقها للعالم طوال عقود. لم تعد صورة “الديمقراطية المتنورة” أو “الواحة المدنية” أو “حاملة النور في غابة الشرق” تقنع أحداً كما في السابق. إسرائيل اليوم جريحة، متهمة، منبوذة أخلاقياً في كثير من الساحات، وعدوانية أكثر من أي وقت مضى، وتحاول أن تعيد رسم صورتها من جديد بعدما اهتزت صورتها القديمة تحت ثقل الحروب والانقسامات والتطرف.
إسرائيل الآن تعيد تعريف ذاتها: هل هي دولة دينية أم دولة سياسية؟ هل يحكمها الحاخام أم السياسي المنتخب؟ هل هي دولة المؤسسات أم دولة العقائد والنبوءات؟ هل أصبحت مشيحانية وكاهانية أكثر مما هي دولة حديثة؟ هذه الأسئلة لم تعد تُطرح في الهامش، بل أصبحت في قلب النقاش الإسرائيلي ذاته.
بعد هذه العقود الطويلة تبدو إسرائيل منقسمة ومشحونة؛ بين العسكرتارية وأوهام القوة، بين الذعر القومي الجنوني وعقدة الجيتو القديمة، بين التماعات النبوءات التوراتية وبين حسابات السياسة والمصالح. إسرائيل اليوم تواجه احتمالات متعددة ومصائر متناقضة. فهي قوية عسكرياً، لكنها قلقة وجودياً. متفوقة تقنياً، لكنها مرتبكة أخلاقياً وسياسياً. تريد التوسع أكثر باتجاه “إسرائيل الكبرى”، وكأنها تستعيد أحلاماً قديمة، لكنها في الوقت نفسه تبدو وكأنها تنتظر نتائج قد لا تشبه ما خططت له.
إسرائيل اليوم ليست إسرائيل التي عرفها العالم قبل عقود، وربما مستقبلها أيضاً لن يكون شبيهاً بماضيها.
ومن جهتنا نحن أيضاً لسنا بخير. نحن كذلك نعيش انقساماً لا يبدو أن له نهاية قريبة، واتهامات متكررة بالإرهاب والفساد والعجز. نحن أيضاً في أسوأ أحوالنا السياسية والوطنية. الممول يفرض شروطه، والمحتل يفرض وقائعه، والقريب والبعيد يتعامل معنا بمنطق الوصاية أو الابتزاز أو الانتظار. الدولة ما تزال بعيدة، والمصير مفتوح على احتمالات ثقيلة؛ الضم، الفصل، الوصاية، وربما التهجير والتدمير أيضاً.
💬 التعليقات (0)