في المشهد الإيراني القائم حاليًا، هناك حصار أمريكي يستهدف، بشكل رئيسي، إغلاق أبواب التجارة الإيرانية النفطية والغازية، إلى جانب بقية بنود التجارة التقليدية. وبالمقابل، هناك حصار إيراني يتم بإغلاق مضيق هرمز، بل وفرض رسوم على التجارة عبره، مع تأكيد إيران على حقها في تطبيق “المرور البريء”، الذي يعطيها الحق في منع مرور من تتوجس عداءه لها (رغم أن إيران وقّعت على اتفاقية 1982 التي تنص على ذلك، لكنها لم تصادق عليها)، خلافًا لحق المرور العابر، الأقدم عهدًا من هذه الاتفاقية، والذي يسمح بمرور الجميع.
أولًا: الحصار البحري الأمريكي: أخبار ذات صلة بين تهديدات ترامب ورفض إيران.. باكستان تدعو لتمديد وقف إطلاق النار قناة عبرية: ملامح "حرب عابرة للحدود" ترتسم بين إيران وأمريكا وتستهدف عصب الطاقة
حاولتُ مراجعة التقارير الدولية المختلفة حول حجم التأثير للحصار البحري الأمريكي على بُعدين هما الأكثر أهميةً وإلحاحًا على الوضع الإيراني: البعد الأول هو النفط والغاز؛ حيث تتراوح تقديرات التراجع في حجم مبيعات النفط الإيرانية ما بين 50–60%. وهنا لا بد من التأكيد على أن حجم مبيعات النفط الإيراني في الأسواق الدولية تضرر بشكل كبير بعد إلغاء الاتفاق النووي من قبل واشنطن عام 2018؛ إذ تراجعت مبيعات النفط الإيراني من حوالي 2.5 مليون برميل إلى نصف مليون بعد عامين. وازداد تأثير ذلك مع انعكاسات التضييق على النفط الإيراني، وتراجع الاستثمار الأجنبي، وتزعزع القيمة السوقية للعملة الإيرانية.
لكن إيران حققت قدرًا من النجاح بعد عام 2021، من خلال مجموعة من آليات التكيف خلال الفترة من 2021 إلى ما قبل أبريل الحالي (بداية الحصار الأمريكي الحالي). وتمكنت إيران، عبر هذه الآليات، من رفع مساهمتها في سوق النفط الدولية إلى حوالي 1.5 مليون برميل (كمعدل للفترة من 2021 – أول عام 2026)، وبلغ حتى مارس 2026 معدلًا أعلى ليصل إلى حوالي 1.9 مليون برميل، بل أحيانًا كان يصل المستوى إلى 2 مليون برميل. ومن المؤكد أن الدور الصيني في هذا الجانب كان عظيمًا، لأنها امتصت الجزء الرئيسي من الصادرات النفطية الإيرانية، وهي دولة تجاوزت الانصياع للإجراءات العقابية الأمريكية على إيران.
ذلك يعني أن الحصار البحري الأمريكي الحالي هو محاولة لخنق التكيف الإيراني الناجح خلال الفترة الماضية. وهنا يجب التوقف عند التكيف الإيراني “الجديد” مع الحصار البحري الأمريكي؛ فالتقديرات تشير إلى أن الحصار أعاد مستوى الصادرات النفطية الإيرانية إلى ما يتراوح بين 500 و600 ألف برميل. لكن بعض التقديرات تشير إلى أن ذلك هو تقدير التصدير “الرسمي”، بينما رفعت آليات التكيف الإيرانية هذا المعدل. وتشمل هذه الآليات:
أ- آلية أسطول الظل (Shadow Fleet)، وتتم من خلال ناقلات نفط قديمة تم تعطيل أنظمة التعريف فيها (AIS)، أي تعطيل التتبع الآلي للسفن، بحيث يتم تغييب موقع السفينة عن الأقمار الصناعية والسفن الأخرى (أي أقرب للتهريب)، كما تقوم بتغيير مستمر لهويتها لتجنب الرصد.
💬 التعليقات (0)