يشهد لبنان تصعيداً عسكرياً دامياً أسفر عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين دون تمييز، وهو ما يكشف بوضوح أن العمليات العسكرية تتجاوز ذريعة محاربة حزب الله. تهدف هذه الضغوط المكثفة إلى كسر الإرادة السياسية للدولة اللبنانية ودفعها نحو قبول مشروع التطبيع الإسرائيلي قسراً، وذلك ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم الخرائط الإقليمية بما يخدم المصالح التوسعية للاحتلال في المنطقة.
وتشير المعطيات البحثية الصادرة عن مراكز دراسات إسرائيلية وأمريكية، مثل معهد دراسات الأمن القومي ومعهد كارنيجي، إلى أن الغالبية العظمى من الشعب اللبناني ترفض السياسات الإسرائيلية جملة وتفصيلاً. هذا الرفض الشعبي يمثل حائط صد منيع أمام محاولات الاختراق السياسي، مما يدفع الاحتلال لاستخدام القوة العسكرية المفرطة كوسيلة وحيدة لمحاولة تغيير هذا الواقع الصلب.
وبحسب نتائج استطلاع المؤشر العربي الصادر في فبراير 2025، فإن 89% من اللبنانيين يرفضون الاعتراف بإسرائيل أو الدخول في أي مسار تطبيعي معها. كما أظهرت الأرقام أن 97% من المستطلعين يرون في إسرائيل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة برمتها، ويصنفونها كدولة استعمارية وعنصرية، مما يؤكد أن الموقف اللبناني الرسمي والشعبي ما زال متمسكاً بالثوابت تجاه القضية الفلسطينية رغم الأثمان الباهظة.
وفي مقابل هذه الأغلبية الساحقة، تبرز أصوات محدودة لا تتجاوز 9% تؤيد التوجه نحو التطبيع، وهي نسبة ضئيلة لا تعكس التوجه العام للدولة. ومع ذلك، يستغل الإعلام العبري هذه التعددية اللبنانية لمحاولة تسويق رواية مضللة تفصل بين استهداف المقاومة واستهداف الدولة، بينما تؤكد الوقائع على الأرض أن الهدف هو تقويض سيادة لبنان بالكامل وإخضاعه لمنطق القوة.
وعلى الصعيد الداخلي، يبرز نقاش حول دور الجيش اللبناني في حماية السيادة الوطنية ونزع السلاح بوسائل سياسية وتوافقية بعيداً عن الصدام المباشر. هذا الطرح، رغم قبوله المشروط من بعض الأطراف المحلية، يواجه رفضاً إسرائيلياً قاطعاً، حيث تقوم العقيدة الصهيونية على التوسع المستمر وعدم الثقة في أي ترتيبات أمنية لا تضمن التبعية الكاملة للاحتلال، كما هو الحال في الجولان المحتل والحدود الأخرى.
إن الصمود اللبناني الراهن يمثل معركة وجودية للحفاظ على وحدة الأرض والشعب في مواجهة مشروع 'إسرائيل الكبرى'. ويجد لبنان نفسه اليوم أمام خيارين تفرزهما السياسة الإسرائيلية المتطرفة: إما القبول بالتطبيع وفق الشروط الصهيونية أو مواجهة آلة الإفناء العسكرية، وهو ما يرفضه اللبنانيون رسمياً وشعبياً، مدركين الأبعاد المستقبلية لهذا الصراع على خارطة الشرق الأوسط الجديد.
💬 التعليقات (0)