لم يكن الكشف الذي نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال The Wall Street Journal " يوم الأحد، عن إقامة إسرائيل قاعدة عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية خلال الحرب على إيران مجرد تفصيل أمني عابر، بل بدا كأنه خلاصة مكثفة لمسار طويل من الانهيار الاستراتيجي الذي ضرب المنطقة منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فالتقرير الذي تحدث عن استخدام القاعدة كنقطة دعم لوجستي وعملياتي للطيران الإسرائيلي داخل العمق العراقي، يكشف إلى أي حد تحولت سيادة العراق إلى مساحة مستباحة تتقاطع فوقها مشاريع الهيمنة والحروب الاستخبارية والتصفية الإقليمية.
وبحسب التقرير، أقامت إسرائيل القاعدة في صحراء غرب العراق قبل اندلاع الحرب، واستخدمتها لإسناد عملياتها الجوية ضد إيران، إضافة إلى نشر فرق خاصة مهمتها إنقاذ الطيارين وتأمين الإمداد العسكري. الأخطر في الرواية أن القوات الإسرائيلية قصفت جنوداً عراقيين اقتربوا من الموقع بعد الاشتباه بوجود نشاط غير مألوف، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعني أن العراق لم يعد فقط ساحة صراع بالوكالة، بل تحول فعلياً إلى أرض مفتوحة لعمليات عسكرية إسرائيلية مباشرة، في ظل عجز الدولة العراقية وانهيار مفهوم السيادة الوطنية.
ويسلط التقرير الضوء أيضاً على حقيقة أكثر عمقاً: أن الحرب الأخيرة على إيران لم تكن مجرد مواجهة بين دولتين، بل امتداداً لبنية إقليمية ولّدها الغزو الأميركي للعراق. فمنذ إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، دخل العراق في دوامة تفكيك ممنهج لمؤسسات الدولة، وإعادة تشكيل للخريطة الأمنية والسياسية على أسس طائفية وميليشياوية، الأمر الذي فتح المجال لتدخلات إقليمية ودولية غير مسبوقة. الولايات المتحدة قدمت الغزو آنذاك باعتباره مشروعاً لنشر الديمقراطية، لكن النتيجة الفعلية كانت إنتاج فراغ هائل تحوّل إلى منصة دائمة للحروب والصراعات العابرة للحدود.
ولا يمكن فصل وجود قاعدة إسرائيلية سرية داخل العراق عن هذا السياق. فإسرائيل، التي كانت ترى في العراق سابقاً دولة مواجهة مركزية ذات ثقل عسكري، باتت تتعامل معه اليوم باعتباره فضاء أمنياً هشاً يمكن اختراقه واستخدامه في حربها مع إيران. وهذا التحول لم يكن ممكناً لولا التدمير البنيوي الذي أصاب الدولة العراقية بعد الاحتلال الأميركي. فالحدود العراقية تآكلت، والمؤسسات الأمنية انقسمت، والنفوذ الخارجي تمدد إلى مستويات غير مسبوقة، بينما بقي المواطن العراقي يدفع الثمن من أمنه واستقراره ومستقبله.
ومنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، دخل الشرق الأوسط مرحلة انهيار استراتيجي لم تتوقف حتى اليوم. الولايات المتحدة لم تكتف بإسقاط نظام سياسي، بل ساهمت في تفكيك دولة كاملة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، ما فتح الباب أمام الفوضى والطائفية وصعود الميليشيات والتنظيمات المتطرفة. هذا الانهيار خلق بيئة مثالية للتدخلات الخارجية، من إيران إلى إسرائيل، وحوّل العراق إلى ساحة صراع مفتوحة. ما يجري اليوم من قواعد سرية وحروب متداخلة ليس حدثاً منفصلاً، بل نتيجة مباشرة لمسار طويل من السياسات الأميركية التي أعادت تشكيل المنطقة بالقوة، من دون أي تصور حقيقي للاستقرار أو السيادة.
الحرب على إيران أظهرت كذلك أن إسرائيل باتت تتصرف باعتبارها قوة إقليمية عابرة للحدود، تتحرك عسكرياً واستخبارياً داخل دول عربية عدة، مستفيدة من حالة التفكك العربي والانهيار الإقليمي. فبدلاً من احتواء الصراعات، اتجهت المنطقة نحو مزيد من عسكرة السياسة، حيث أصبحت الضربات الجوية والاغتيالات والعمليات السرية أدوات اعتيادية لإدارة التوازنات. وفي هذا المناخ، يغيب القانون الدولي تماماً، بينما تتراجع قدرة الدول العربية على فرض سيادتها أو حماية أراضيها من الاختراق.
💬 التعليقات (0)