في الدول التي تحترم مؤسساتها، تبقى الجامعات جامعات، والسفارات سفارات، وتبقى مصالح الناس فوق الحسابات الحزبية والتنظيمية مهما كان حجم الحدث السياسي أو أهميته. أما حين تبدأ المؤسسات العامة بالتعطل لأن فصيلاً سياسيًا يعقد مؤتمره الداخلي، فهنا لا يعود الأمر مجرد “تنظيم إداري مؤقت”، بل يتحول إلى مؤشر خطير على حجم التداخل بين التنظيم والوظيفة العامة، وبين الحزب ومؤسسات الشعب.
ما يجري بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح يطرح أسئلة ثقيلة تتجاوز الحدث التنظيمي نفسه. فحين تعلن سفارة فلسطين في القاهرة وقف العمل لأسبوع كامل تقريبًا، من أجل ترتيبات مرتبطة بالمؤتمر، فإن أول من يدفع الثمن ليس كوادر الحركة ولا المشاركون في المؤتمر، بل المواطن الفلسطيني البسيط العالق بين المعاملات والأوراق والسفر والإقامات والظروف الإنسانية المعقدة. السفارة ليست مقرًا تنظيميًا لحركة سياسية، بل واجهة رسمية يفترض أن تكون في خدمة الفلسطينيين على مدار الساعة، خاصة في بلد مثل مصر التي تمثل محطة مركزية لعلاج المرضى وسفر الطلبة وعبور الغزيين ومعاملاتهم اليومية.
المشكلة لا تكمن فقط في تعليق العمل، بل في الرسالة السياسية والأخلاقية التي يحملها القرار. فحين يشعر المواطن أن مؤسسات الدولة تُغلق أبوابها لأن الحزب منشغل بمؤتمره، فإنه يفقد تدريجيًا ثقته بالفاصل بين “الوطن” و”التنظيم”، ويبدأ بالإحساس أن المؤسسات العامة لم تعد ملكًا للشعب، بل أدوات تُدار وفق أولويات القوى المسيطرة عليها.
الأمر ذاته ينسحب على جامعة الأزهر في غزة. فمهما كانت التبريرات الأكاديمية المتعلقة بالمراجعة أو الامتحانات، فإن توقيت وقف المحاضرات الوجاهية والتدريب العملي بالتزامن مع أجواء المؤتمر الثامن يجعل من الصعب فصل القرار عن السياق السياسي العام. ويرى مراقبون أن الجامعات ليست ساحات تعبئة تنظيمية، وليست مطالبة بالدخول في حالة شلل غير معلنة كلما قررت حركة سياسية عقد مؤتمرها الداخلي.
الأخطر من ذلك أن تعطيل التدريب العملي والعيادات والمعامل لا يضر فقط بسير العملية التعليمية، بل ينعكس مباشرة على جودة التعليم ومستوى التأهيل، خصوصًا في التخصصات الطبية والعلمية التي تعتمد على الجانب العملي بصورة أساسية. وهنا، فإن الطالب الذي يدفع ثمنًا نفسيًا وماديًا باهظًا في ظل الحصار والانهيار الاقتصادي لا ينتظر من جامعته أن تتحول إلى مؤسسة متأثرة بإيقاع المؤتمرات الحزبية، بل يريد بيئة أكاديمية مستقرة ومحايدة تحفظ حقه في التعليم دون حسابات سياسية.
المؤتمر الثامن لحركة فتح شأن تنظيمي يخص الحركة وكوادرها، ومن حق أي فصيل سياسي أن يعقد مؤتمراته ويعيد ترتيب بيته الداخلي كما يشاء، لكن ليس من حقه أن يفرض كلفة ذلك على الناس أو أن تتحول مؤسسات يفترض أنها وطنية وعامة إلى أدوات مساندة غير مباشرة لهذا الحدث. فالمواطن الذي ينتظر ختمًا في سفارة، أو الطالب الذي يحتاج مختبرًا أو تدريبًا عمليًا، لا علاقة له بصراعات الأقاليم ولا باللجان المركزية ولا بترتيبات المؤتمرات.
💬 التعليقات (0)