أمد/ في كل مرة يعود فيها الحديث عن السلاح خارج إطار الدولة في لبنان، يعود معه السؤال نفسه: هل تملك الدولة فعلاً قرارها الكامل؟ وهل الجيش اللبناني قادر على فرض سيادته على كامل الأراضي اللبنانية، خصوصاً في الجنوب؟ هذا السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بحزب الله، بل بطبيعة النظام اللبناني كله، وبالتوازنات الداخلية والإقليمية التي حكمت البلد لعقود طويلة.
خلال السنوات الماضية، تعرّض ما يُعرف بمنظومة “الدفاع الوطني” لانتقادات متزايدة، خصوصاً مع تكرار الحديث عن مخازن أسلحة وأنفاق ومنصات صاروخية تابعة لحزب الله في الجنوب، رغم وجود الجيش اللبناني والقوات الدولية. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، فإن هذا المشهد يعكس فجوة واضحة بين صورة الدولة على الورق وبين الواقع الفعلي على الأرض، ويطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها الكاملة.
لكن في المقابل، لا يمكن إعفاء الجيش اللبناني بالكامل من المسؤولية عن هذا الواقع، حتى مع التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بالمشهد اللبناني. فالمؤسسة العسكرية تعمل وسط انقسامات حادة وأزمة اقتصادية خانقة وضغوط داخلية وخارجية تحدّ من هامش حركتها، إلا أن كثيراً من اللبنانيين باتوا يشعرون بأن دور الجيش لا يزال أقل من مستوى التحديات المطروحة، خصوصاً في ما يتعلق بفرض سلطة الدولة الكاملة على الجنوب.
ومع مرور الوقت، لم تعد التصريحات أو الانتشار الرمزي كافية لإقناع الرأي العام بأن الدولة تمسك فعلاً بقرار الأمن والسيادة، بل أصبح هناك انتظار لخطوات أكثر وضوحاً وحزماً تؤكد أن السلاح وقرار الحرب والسلم هما حصراً بيد مؤسسات الدولة الشرعية. أما فيما يتعلق بحزب الله، فلم تعد علاقته بالمشروع الإيراني موضع نقاش فعلي. فالحزب نفسه لم يُخفِ يوماً أنه تأسس بدعم سياسي وعسكري وعقائدي مباشر من إيران، وتحول مع الوقت إلى أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة.
كما أن استمراره بهذا الحجم من القوة بعد حرب 2006 لم يكن ممكناً لولا الدعم الإيراني الضخم، رغم الكلفة الكارثية التي دفعتها الدولة اللبنانية واللبنانيون نتيجة تلك الحرب على المستويات الاقتصادية والبشرية والعمرانية. وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية داخل لبنان.
فشريحة واسعة من اللبنانيين ترى أن القرارات الكبرى المرتبطة بالحرب والسلم لم تعد مرتبطة بالكامل بالمصلحة الوطنية اللبنانية، بل بحسابات إقليمية أوسع تقودها طهران في صراعها مع إسرائيل والغرب. ولهذا وجد لبنان نفسه مراراً داخل مواجهات وتوترات تتجاوز قدرته على الاحتمال، بينما بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن امتلاك القرار السيادي الكامل. بعد السابع من أكتوبر تحديداً، بدا واضحاً أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة.
💬 التعليقات (0)