أمد/ لم أكن أتخيل في أبشع كوابيسي أن أكتب مقالا تحت هذا العنوان، وفي هذا السياق، غير أن غزة النوارة، وظروفها الجبارة، وأيامها الدوارة قد تفرض على الإنسان ما لا يخطر في باله أبدا، فما بالكم وكاتب هذه الكلمات، انتقل من مرحلة متابعة حرب الفئران والعرس مع المواطنين في غزة، إلى مرحلة المشارك الفعال فيها، بعدما تجرأت سرية من سرايا العرس على اقتحام مكان نزوحه وسكنه، بعدما سبقتها كتائب الفئران، لتحيل حياة أسرته إلى جحيم بمعنى الكلمة، فيتحول ليلها الذي جعله الله سباتا للنوم والراحة، إلى ساحة معركة، تبدأ بالتخطيط والدراسة وتوزيع جند الحراسة، بمجرد أن تلقي الشمس أوراقها وتغيب. لم أتصور يوما في حياتي أن أطلب المعونة العسكرية من محور الجيران، على اعتبار أن المعركة في مواجهة الجرذان واحدة، ولما كنت فقيرًا للمعرفة بطبيعة العدو، وأنجع سبل مواجهته، فقد وجدت نفسي طرفًا في غرفة عمليات ضمت جيراني أبو شاكر وأبو نافذ وأبو نزار، نتداول فيها أفضل السبل لمحاربة هذا العدو الخبيث، وقد أبديت لهم أسفي ويأسي لأني رغم قيامي بشراء مصيدة قوية ومتينة لم أفلح باصطياد أي من جنود العرس، رغم أني أضبطها وأجهزها كل ليلة، وأطعمها بخبز وسمنة، أو خبز ومكمل، دون أن يكون هناك أي نتيجة، وكأن العرس تخرج لي لسانها لتثبت عجزي وانتصارها، فيما يزداد خوف زوجتي وبناتي كلما قرأن عن خطر هذه العرس ومدى انتشارها في قطاع غزة، فما كان من شركائي في هذا النقاش إلا أن ضحكوا قليلًا ومن ثم جاد بعضهم عليّ ببعض النصائح، وهنا أدركت أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، حتى فيما يتعلق بمكافحة العرس والفئران، ولقد عرفت مؤخرًا أن العرس لها خاصية استشعار تتطلب اشعال ورقة أو كرتونة وتشبيع المصيدة برائحة الدخان المنبعث من الورقة لكي تتحقق عملية تمويه العرسة ومن ثم جذبها لصالح المصيدة، كما عرفت أن مرقة الماجي قد يكون لها دور كبير في جذب العرس لكمين حتفها، ولكم كانت سعادتي حين نجحت الخطة، وتمكنت للمرة الأولى في حياتي من اصطياد أكثر من عرسة في ليلة واحدة، شعرت فيها أنه يمكنني على الأقل تحقيق النصر والاحساس بشعوره ولو على حساب العرس في جولة واحدة رغم أن الحرب لا زالت مستمرة ولم تنته. هذه الكوميديا السوداء التي سقتها ليست مجرد كتابة ساخرة، أو تصوير كوميدي لظاهرة انتشرت في غزة مؤخرًا، بل هي مع الأسف تصوير حقيقي مؤسف لقصة حقيقية حدثت مع كاتب هذه السطور دون تحريف أو تأويل، تأتي هذه الحرب لتثبت كم هو هش هذا المواطن الفلسطيني الغزي المسكين، الذي لا زالت الحرب تلقي إليه بالصفعات منذ ما يقارب من ثلاث سنوات دون توقف، وكأنه وهو يعيش تحت وطأة الإبادة والقصف والتشريد والنزوح والاستغلال والجهل والفقر والمرض لم يكتف بكل هؤلاء الأعداء لينضم لهم العرس والفئران. وفي المقابل ألا تمثل هذه الحرب غير المتكافئة دليلًا دامغًا على ما وصل إليه حال المواطن الفلسطيني في قطاع غزة ؟ ألا يكفي هذا المواطن ما يعيشه من معاناة وصلت أخيرا إلى حد ينهزم فيه أمام العرس؟ الأمر الذي اضطر البعض إلى الخروج بحملات من أجل مواجهة هذا العدو الشرس. تبدو الصورة واضحة للجميع في قطاع غزة، فالأوضاع تتحدث عن نفسها، مواطن يكاد يفقد كل مقومات صموده، ويعيش مشردًا في انتظار قادم لا يبدو أنه سيأتي قريبًا، يعلل النفس بالأماني يرقبها ما أضيق الحياة لولا فسحة الأمل، ويكاد اليأس رغم ذلك يضربه، وهو يرى عبر تاريخه المعاصر أن كل مؤقت صار دائما، فيخشى من دوام الحال على ما هو عليه الآن إن صح أن نسميه حالا. هذا الواقع الذي يعيشه المواطن في غزة من شأنه أن يقتل تدريجيا فكرة الوطن في أعماقه، ويدفعه دفعًا نحو الانفصال الشعوري عن قضيته الأساسية وانتمائه لوطنه وهويته، ولا أبالغ إن قلت هنا أن معززات الصبر والصمود والانتماء والشعور توشك تتآكل تدريجيا، رغم أن الشعب الفلسطيني مصنف بالفطرة على أنه من أكثر الشعوب تمسكا بهويتها وانتماء لقضيتها، وحبا واستعدادا للتضحية من أجلها. فهذا الوطن الذي لم يعد قادرا على حماية أبنائه من عرسة وفأر يوشك يغادر قلوبهم وأرواحهم فهلا تداركنا الأمر قبل فوات الأوان.
سماع دوي انفجار هائل في جنوب شرق إيران
اليوم 73..حرب إيران: برودة الجبهة الفارسية وسخونة الجبهة اللبنانية ..وترامب لا زال ينتظر ردا
قناة عبرية تنشر صور أقمار صناعية عن قاعدة الموساد السرية في العراق
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة 2023 إلى 72,737 شهيدا
الجيش الكويتي: رصد عدة مسيرات معادية داخل المجال الجوي وتم التعامل معها
💬 التعليقات (0)