ليست المؤتمرات الحركية مجرد استحقاقات تنظيمية لتجديد القيادات أو توزيع المواقع، بل هي في جوهرها لحظة مراجعة تاريخية تعيد فيها الحركات الكبرى فحص ذاتها، وتشخيص أزماتها، وإعادة تعريف دورها الوطني والسياسي. وفي حركات التحرر تحديدا، يصبح المؤتمر ضرورة وجودية، لأنه الإطار الذي تُطرح فيه الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف نصل؟
وحين تُختزل هذه الأسئلة بسؤال واحد: "من سيفوز؟"، تبدأ الحركة بفقدان معناها، حتى لو احتفظت بشكلها التنظيمي وقدرتها على الحشد.
حركة فتح لم تكن يوما حزبا تقليديا، بل حركة تحرر وطني قادت المشروع الفلسطيني لعقود طويلة، وحملت الهوية الوطنية في أصعب مراحلها. كانت مدرسة لإنتاج الكادر الوطني في المخيم والجامعة والنقابة والسجن والميدان، وكانت العضوية فيها تعني التزاماً وتضحية أكثر مما تعني موقعا أو امتيازا.
لكن التحول الأخطر بدأ تدريجيا بعد قيام السلطة الفلسطينية، حين انتقل مركز الثقل من "الحركة" إلى "السلطة"، ومن "البرنامج الوطني" إلى "الإدارة اليومية"، ومن "المثقف المناضل" إلى "الموظف الحزبي". ومع غياب المؤتمرات لفترة طويلة بعد أوسلو، تراجعت الحياة التنظيمية، وضعفت المساءلة الداخلية، وبدأت تظهر ملامح الشيخوخة السياسية والانفصال التدريجي بين القيادة والقاعدة.
وحين انعقد مؤتمر بيت لحم عام 2009 بعد الانقسام وخسارة غزة، كان يُفترض أن يكون مؤتمر مراجعة تاريخية تسأل فيه الحركة نفسها: لماذا خسرنا غزة؟ وكيف تراجعت الثقة الشعبية؟ لكن المؤتمر انشغل أكثر بإعادة ترتيب القيادة من إعادة تعريف المشروع الوطني. ثم جاء مؤتمر 2016 ليكرس حالة التثبيت أكثر من التجديد، فبقيت الأسئلة الكبرى معلقة: الانقسام، والشباب، والبرنامج الوطني، والعلاقة المرتبكة بين الحركة والسلطة.
واليوم، ونحن أمام المؤتمر الثامن، يبدو واضحا أن المؤتمر سيتجه في جوهره ليكون مؤتمرا انتخابيا أكثر منه مؤتمر مراجعة شاملة. وهذا ليس اتهاما بقدر ما هو توصيف واقعي تفرضه طبيعة اللحظة الداخلية، وحجم الاستقطابات، وطبيعة الحراك التنظيمي القائم. فالحديث الدائر في الأقاليم والأطر والقواعد لا يتمحور حول البرنامج السياسي القادم بقدر ما يدور حول الأسماء والتحالفات والتمثيل والنتائج.
التعليقات (0)