f 𝕏 W
جمانة عودة.. طبيبة الأطفال وسفيرة أحلامهم وحقوقهم إلى العالم

جريدة القدس

سياسة منذ 40 دق 👁 0 ⏱ 1 د قراءة
زيارة المصدر ←

جمانة عودة.. طبيبة الأطفال وسفيرة أحلامهم وحقوقهم إلى العالم

الأحد 10 مايو 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

* لا شيء مستحيل ما دام هناك من يؤمن بالطفل ويؤكد حقه بالحياة والكرامة والأمل* الطفل الفلسطيني يريد أكثر من دواء ويحتاج من يحمي حقه في الحياة والاندماج والاحترام* التكريم الأقرب إلى القلب "نجمة الاستحقاق من وسام دولة فلسطين" كأحد أعلى الأوسمة الوطنية* الجوائز التي حصلتُ عليها لم تكن تكريماً شخصياً بل كانت تصويتاً لفلسطين ولأطفالها* مركز "الطفل السعيد" انعكاس لرؤية هدفها استعادة كرامة الأطفال الأكثر هشاشة بالمجتمع الفلسطيني* قبول الطفل كما هو خطوة أولى في طريق طويل لأن كل طفل يحمل بداخله قدرة تستحق الاكتشاف والنمورام الله- خاص "القدس"- لم تكن رحلة د. جمانة عودة مع الطب وتخصصها بطب الأطفال مجرد مسار أكاديمي تقليدي بدأ في قاعات الدراسة وانتهى في العيادات، بل كانت رحلة إنسانية طويلة عبر عقود، امتزج فيها العلم بالتجربة، والمهنة بالشغف، والمعرفة بالانتماء، وصولاً إلى حصولها على جوائز عديدة محلية ودولية مميزة تنقل فيها أحلام وحقوق أطفال فلسطين إلى العالم وتكون سفيرتهم التي كرست حياتها لهم.رحلة إنسانية أكاديمية ممتدة منذ عقودمنذ سنوات دراستها الأولى، اختارت د. جمانة أن تخوض طريقاً بعيداً، فدرست الطب في الاتحاد السوفيتي السابق، في مدينة لينينغراد التي تعرف اليوم باسم سانت بطرسبرغ، وهي المدينة التي لا تزال تصفها بأنها واحدة من أجمل مدن العالم وأكثرها حضوراً في ذاكرتها.بعد تلك المرحلة، واصلت د. عودة مسيرتها العلمية في المملكة المتحدة، حيث أكملت تخصصها، ثم تنقلت بين دول عدة للحصول على دورات تدريبية متقدمة في هولندا والولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها المهنية كأستاذة ومحاضرة في جامعات ومؤسسات أكاديمية حول العالم، ودرّست في بلدان متعددة شملت باكستان والهند وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة، كما حملتها المؤتمرات والمحاضرات إلى مدن بعيدة في "البرازيل ونيكاراغوا وبيرو وزيمبابوي وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والدول الإسكندنافية، وكذلك النرويج، وكندا، وتونس، وقطر، ودبي، ومصر، والمغرب"، في رحلة علمية واسعة تجاوزت حدود الجغرافيا.وفي فلسطين، كان حضورها الأكاديمي راسخاً داخل جامعة القدس، حيث درّست في كلية الطب وكلية الصحة العامة، بينما امتد نشاطها العلمي إلى جامعة هارفارد، التي كانت مديرة برنامج فيها وهو "برنامج الإعاقة بكلية الصحة وحقوق الإنسان" والذي أسسته رفقة زميلتها الراحلة، هيذر أدامز، وما زالت أستاذة زائرة لهذا البرنامج.وإلى جانب ذلك، ظهرت د. جمانة عودة عبر وسائل إعلام دولية عديدة مثل CNN وBBC والجزيرة، لتقدم صوتاً فلسطينياً يحمل الخبرة الطبية والبعد الإنساني معاً.لكن عودة، رغم هذا المسار الأكاديمي الطويل، ترى أن أعمق ما تعلمته لم يكن داخل الجامعات، قائلة: "إن النساء الفلسطينيات، خصوصاً الأمهات في غزة ومخيمات اللجوء، قدّمن لها دروساً لم تمنحها إياها كليات الطب. هناك، بين تفاصيل الحياة الصعبة، تعلمت معنى الأمومة والصبر، واكتشفت أن الشهادات وحدها لا تصنع طبيباً، بل يصنعه الشغف والقدرة على فهم الإنسان".لهذا تنظر د. جمانة إلى الطب بوصفه أكثر من مهنة؛ تراه موهبة ورسالة شخصية، وتقول: "إن جميع الأطفال المختلفين في العالم هم أبنائي، وإن التدريس بالنسبة لها لم يكن يوماً تلقيناً للمعلومات، بل مشاركة للتجربة، وربما لهذا ما زال طلابي، من لندن إلى أستراليا وكندا وفرنسا وأبوظبي، يراسلونني حتى اليوم".اعتزاز بهوية لفتامنذ طفولتها المبكرة، لم تكن الطبيبة د. جمانة حسن علي عودة ترى مسقط رأسها بلدة لفتا مجرد قرية فلسطينية مهجرة، بل كانت جزءاً أصيلاً من تعريفها لنفسها.تقول د. جمانة إنها اعتادت، وهي طفلة صغيرة، أن تقدم نفسها باسمها الكامل متبوعاً بكلمة "من لفتا"، حتى بدا لها أن اسم القرية صار جزءاً من هويتها الشخصية، لا مجرد مكان تنتمي إليه. ولدت د. جمانة عودة بمدينة القدس في 8 مايو/ أيار 1956، في 27 رمضان وهي لا زالت تذكر اهتمام والدتها بذلك وتقول لها إنها ولدت في ليلة القدر، بينما عاشت د. جمانة بين القدس ورام الله، متنقلة بين مدن ودول عدة، لكن القدس بقيت محطتها الأعمق، والمدينة التي عادت إليها دائماً، فيما ظلت لفتا حاضرة في وجدانها كحكاية لا تنتهي.ذكريات الطفولة من زمن دافئتستعيد عودة طفولتها بوصفها زمناً دافئاً ومليئاً بالمحبة، نشأت في أسرة كبيرة ضمت ثمانية من الإخوة والأخوات، جمعتهم علاقة وثيقة صنعت بينهم صداقة إلى جانب رابطة الدم.تتحدث د. جمانة عن بيت كان قائماً على العطاء، وعن جدين ووالدين منحا أبناءهم مساحة واسعة من الحب والثقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل شخصيتها الحرة.تتذكر جمانة جدها الذي كان يطلب منها الصعود على طاولة في الفندق الصغير الذي كان يملكه، لتردد الأناشيد أمام الحضور وهي في السادسة من عمرها، وكأن ذلك المشهد المبكر منحها الشجاعة لتواجه الحياة بصوت واضح وشخصية مستقلة.حياة الأسرة السعيدةفي حياتها العائلية، تتحدث عودة بمحبة واضحة عن زوجها د. تامر عيساوي، رفيق دربها وصديقها، وكان أستاذاً جامعياً في جامعة بيرزيت قبل تقاعده، وكان نقيب العاملين في الجامعة لسنوات عدة، وأيضاً كان قائداً له بصمته في العمل الوطني. كما تتحدث بفخر عن ابنتيها؛ د. دانة الحاصلة على دكتوراة في الإرشاد النفسي وتعمل محاضرة في جامعة شيكاغو، والمهندسة تالا الحاصلة على تخصصين هندسة مدنية وتكنولوجيا المعلومات، والحاصلة أيضًا على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ثم تنتقل بحنان إلى أحفادها الخمسة الذين يشكلون امتداداً لعائلتها التي ترى فيها مصدر قوتها الأعمق.ورغم مسيرتها المهنية، ترى عودة أن حياتها لم تتشكل فقط داخل العيادة أو في المجال الأكاديمي، بل أيضاً في تفاصيلها الإنسانية الصغيرة.شغف القراءةالقراءة بالنسبة لجمانة عودة ليست هواية عابرة، بل شغف قديم، تقرأ في التاريخ والرواية والمجلات، وكانت تكتب الشعر في سنوات سابقة، كما أن التطريز الفلسطيني يعني لها شكلاً من أشكال الهوية والجذور والأصالة، فتحرص على ارتدائه وعلى دراسة رموزه ودلالته على كل ثوب وارتباطه بالقرية أو المدينة أو الرواية الفلسطينية.السفر تجربة وحياةأما السفر، فكان بالنسبة لها مدرسة أخرى للحياة، حيث تقول إنها لم تكن تزور بلداً قبل أن تقرأ عنه، وتتعرف إلى تاريخه وثقافته، ثم تحاول أن تعيش بين ناسه كما يعيشون. رحلاتها الطويلة بالقطار داخل أوروبا تركت أثراً خاصاً في شخصيتها، إذ علمتها، كما تقول، أن الشعوب تتشابه أكثر مما تختلف، وأن الإنسان قادر على أن يجد نفسه في الآخرين مهما ابتعدت الجغرافيا.وبين الوطن والأسرة والقراءة والسفر وحياتها المهنية والإنسانية، تبدو د. جمانة عودة امرأة نسجت حياتها بخيوط من الذاكرة، لكنها ما زالت، رغم كل شيء، تختصر رحلتها الطويلة بكلمتين: الحب، والتفاؤل.وجع أطفال فلسطين إلى منصات العالملم تكن الجوائز التي نالتها د. جمانة عودة مجرد أوسمة توضع على الرفوف، بل محطات تختصر رحلة طويلة لطبيبة فلسطينية قررت منذ بداياتها أن تجعل من الطب مساحة للدفاع عن الأطفال، لا مجرد مهنة للعلاج.على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تحولت مسيرتها الإنسانية إلى قصة لافتة خرجت جمانة من فلسطين لتصل إلى عواصم العالم، فيما بقي جوهرها ثابتاً: حماية الأطفال، وخصوصاً ذوي الإعاقة، ومنحهم حياة أكثر كرامة في وطن مثقل بالاحتلال.في عام 2008، وقفت عودة في نيويورك لتتسلم جائزة عالم الأطفال، المعروفة عالمياً باسم "جائزة نوبل للأطفال"، بعدما لفت نموذجها المجتمعي في رعاية الأطفال ذوي الإعاقة أنظار المؤسسات الدولية.لم يكن التكريم تقديراً لمركز طبي فحسب، بل اعترافاً بفكرة إنسانية أسستها عبر مركز "الطفل السعيد" في رام الله، حيث سعت إلى تغيير نظرة المجتمع للإعاقة، وتحويل الطفل من حالة طبية إلى إنسان كامل الحقوق.قبل ذلك بسنوات، كانت عودة قد كرست عملها داخل المستشفيات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم في مستشفيي مستشفى المطلع ومستشفى المقاصد في القدس، قبل أن تتوسع تجربتها في العمل مع المؤسسات الدولية مثل اليونيسف ومنظمات إنقاذ الطفولة والتعاون الصحي حول العالم.وفي كل محطة، كانت ترى د. جمانة أن الطفل الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من دواء؛ يحتاج إلى من يحمي حقه في الحياة والاندماج والاحترام.توالت بعدها محطات التكريم، فنالت د. جمانة عام 2009 جائزة الرئيس الفلسطيني تقديراً لدورها في تعزيز صحة الطفل، ثم جائزة "بطل العمل الإنساني" في بروكسل عام 2013، وجائزة للخدمات الإنسانية والمجتمعية في دبي عام 2015، قبل أن تُكرم مجدداً في لوس أنجلوس عام 2017 عن اتساع أثر تجربتها. وفي عام 2025 حصلت على جائزة المساواة الصحية من الجمعية الأمريكية للصحة العامة في واشنطن، تقديراً لنموذجها الذي جمع بين الطب وحقوق الإنسان والرعاية المجتمعية.أما التكريم الأقرب إلى قلبها، فجاء في عام 2026 حين منحها الرئيس محمود عباس نجمة الاستحقاق من وسام دولة فلسطين، وهو أحد أعلى الأوسمة الوطنية.الأطفال ذوو الإعاقة جزء من الحكاية الفلسطينيةبالنسبة للطبيبة د. جمانة عودة، لم يكن الوسام تكريماً شخصياً فقط، بل اعترافاً بحق الأطفال ذوي الإعاقة في أن يكونوا جزءاً من الحكاية الفلسطينية.وتستعيد في هذا السياق كلمات إحدى الأمهات في المركز، التي قالت لها، إن "فلسطين تكرم أبناءها من ذوي الإعاقة"، وهي العبارة التي رأت فيها عودة خلاصة سنوات من النضال الصامت.ورغم هذا الحضور العالمي، لا تزال عودة تختصر رحلتها بكلمتين: الخبرة والتعاطف، وتقول: إن أطفال فلسطين هم من منحوا حياتها معناها الحقيقي، وإن أمهاتهم علمنها ما لم تتعلمه في كليات الطب.وبين قاعات الجامعات الدولية وممرات المركز في رام الله، بقيت جمانة عودة طبيبة ترى في كل طفل حكاية تستحق أن تُروى، وفي كل جائزة نافذة جديدة لإيصال صوت فلسطين إلى العالم.الطفل السعيد.. انعكاس لرؤية إنسانيةفي مدينة رام الله، لم يكن اسم مركز الطفل السعيد - فلسطين مجرد عنوان لمؤسسة طبية، بل كان انعكاساً لرؤية إنسانية حملتها د.جمانة عودة منذ أكثر من ثلاثة عقود، حين قررت أن تجعل من الطب رسالة تتجاوز حدود العلاج إلى استعادة كرامة الأطفال الأكثر هشاشة في المجتمع الفلسطيني.جمانة عودة الطبيبة المتخصصة في طب الأطفال والصحة العامة، التي بدأت مسيرتها المهنية عام 1981، لم تنظر إلى الإعاقة بوصفها نقصاً، بل بوصفها طاقة تحتاج إلى من يراها ويمنحها فرصة الحياة.قبل تأسيس المركز، عملت عودة في مؤسسات دولية ومحلية عدة، من بينها اليونيسف ومستشفى كاريتاس للأطفال، وهناك اقتربت أكثر من معاناة الأطفال الذين كانوا يواجهون المرض والإعاقة وسط واقع سياسي واجتماعي قاسٍ، ومن هذه التجربة، وُلدت فكرة إنشاء المركز عام 1994، ليكون مساحة متكاملة تقدم الفحص المبكر، والتشخيص، والعلاج الطبيعي والوظيفي، وعلاج النطق، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات التي كانت تجد نفسها وحيدة في مواجهة تحديات يومية معقدة.لم يكن هدف المركز طبياً فقط، كما تؤكد عودة، بل سعى منذ بداياته إلى تغيير النظرة المجتمعية تجاه الإعاقة، وإعادة دمج الأطفال في محيطهم الطبيعي باعتبارهم جزءاً أصيلاً من المجتمع، إذ استلهم المركز شعاره من كلمات الشاعر توفيق زياد، ليحمل رسالة واضحة تقوم على احترام الطفل والإيمان بقدراته ومساعدته على تجاوز إعاقته وإظهار مواهبه، انطلاقاً من قناعة بأن فلسطين نفسها تحتاج إلى هؤلاء الأطفال بقدر حاجتهم إلى وطن يحتضنهم.وتؤكد د. جمانة عودة أن رحلة مركز "الطفل السعيد- فلسطين" لم تكن جهداً فردياً، بل ثمرة دعم متواصل من العائلة وفريق العمل وأمهات الأطفال، إلى جانب مساندة رئيس مجلس الأمناء د. طلال ناصر الدين، مشددة على أن هذا الإسناد كان السبب الحقيقي في استمرار المركز، الذي بقي التجربة الأقرب إلى قلبها والأكثر اعتزازاً في مسيرتها الطويلة.توسّع دور المركزومع مرور السنوات، توسع دور المركز ليشمل دراسات مسحية للكشف المبكر عن الإعاقات الجسدية والسلوكية والنفسية، وبرامج توعية تستهدف الأهل والمعلمين، إضافة إلى إنشاء جمعية أصدقاء مرضى التشنجات، كأول مبادرة من نوعها في فلسطين لدعم الأسر وتوجيهها وفق احتياجات كل طفل.كما فتح المركز أبوابه للرسم والموسيقى واللعب والرقص، بوصفها وسائل علاجية تخفف من الأعباء النفسية التي يرزح تحتها الطفل الفلسطيني.هذا العمل الإنساني الواسع وجد صداه عالمياً، ففي عام 2008 كُرمت عودة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك ضمن الشخصيات الثماني الفائزة بـ"جائزة نوبل للأطفال" تقديراً لإسهامها في تغيير حياة الأطفال حول العالم.أما زملاؤها في جامعة هارفارد، فيصفون المركز بأنه نموذج متحرر من الاستعمار، يجسد الحقوق والكرامة والأمل، فيما ترى جمانة عودة أن الحكاية ببساطة بدأت من إيمان عميق بأن كل طفل فلسطيني يستحق أن يكون سعيداً، مهما كانت الظروف.تجربة من الواقع الفلسطيني الصعبأكثر المحطات تأثيراً في حياتها المهنية لم تكن مرتبطة بشهادة علمية أو منصب أكاديمي، بل كما تؤكد عودة، بالعيش والعمل اليومي تحت الاحتلال، فمن قلب هذا الواقع الصعب، ووسط غياب شبه كامل للخدمات المخصصة للأطفال ذوي الإعاقة، بدأت تتشكل لديها فكرة مشروع مختلف، يقوم على منح هؤلاء الأطفال ما حُرموا منه طويلاً: الرعاية، والكرامة، والحق في الحياة داخل مجتمع يعترف بوجودهم.من قلب المعاناة ولد مركز الطفل السعيد..في عام 1994، أسست عودة مركز الطفل السعيد - فلسطين في رام الله، في مرحلة فاصلة بين الانتفاضتين الأولى والثانية، بعدما كانت ترى أن الاحتياجات في قطاع غزة كانت أشد إلحاحاً وأكثر وضوحاً.وتتذكر عودة تلك المرحلة بوصفها زمناً تميز بتعاون واسع بين المؤسسات الأهلية والعمل التطوعي والمجتمعي، حيث اجتمعت الجهود لتأسيس نموذج جديد من الرعاية للأطفال الذين ظلوا لسنوات خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.لكن مع اندلاع الانتفاضة الثانية تغيرت الظروف بصورة قاسية، حيث كثرت الحواجز العسكرية، وأصبح التنقل بين غزة والضفة والقدس أكثر تعقيداً، وهو ما انعكس مباشرة على الأطفال وعائلاتهم.ومع ذلك، لم يتوقف العمل، حيث تقول عودة إن الفريق تعلّم كيف يعمل في ظل منع التجول والإغلاقات، وكيف يبتكر وسائل جديدة لإيصال الخدمات إلى الأطفال أينما كانوا، رغم القيود المفروضة على الحركة اليومية.ولم تكن الحواجز وحدها التحدي، فشح التبرعات كان اختباراً آخر، ومع تقلص الدعم المالي، لجأت عودة إلى تشجيع العمل التطوعي للحفاظ على استمرار الخدمات، ومن خلال تمكين الأمهات وإشراك الأسر في رحلة العلاج، تحول المركز إلى مساحة صمود إنساني، لا مجرد مؤسسة طبية.ورغم ما تختزنه ذاكرتها من قصص كثيرة، تشير عودة إلى أنها توثق جانباً من هذه التجربة في كتاب جديد باللغة الإنجليزية بالتعاون مع جامعة هارفارد، مؤكدة أن بعض الحكايات لا تزال تنتظر لحظة خروجها إلى النور، تماماً كما خرج مركز "الطفل السعيد- فلسطين" يوماً من بين أكثر الظروف قسوة.واقع سياسي معقدلم تكن أصعب التحديات التي واجهت د. جمانة عودة في عملها مع الأطفال ذوي الإعاقة داخل فلسطين مرتبطة بالطب نفسه، بقدر ما ارتبطت بواقع سياسي معقد فرضه الاحتلال الإسرائيلي على تفاصيل الحياة اليومية.بالنسبة لعودة، لم تكن الحواجز العسكرية مجرد عائق أمام الحركة، بل جداراً يومياً يفصل الأطفال المرضى عن حقهم في الوصول إلى العلاج، ويجعل مهمة الوصول إليهم أكثر صعوبة، خصوصاً خلال سنوات الانتفاضتين، حين أصبح التنقل بين المدن والقرى رحلة شاقة للأهالي والطواقم الطبية على حد سواء.توضح عودة أن الأزمة لم تتوقف عند صعوبة الوصول، بل امتدت إلى ما تصفه بـ"التمويل المشروط"، وهو أحد أبرز التحديات التي واجهت مركز "الطفل السعيد - فلسطين" في رام الله.رفض التمويل الذي يمس الرسالة الإنسانيةوتشير عودة إلى أن المركز تمسك منذ البداية برفض أي تمويل موجه قد يمس رسالته الإنسانية أو يفرض عليه أولويات لا تنسجم مع احتياجات الأطفال، وهو قرار جعل الاستمرار أكثر صعوبة، لكنه حافظ على استقلالية العمل وصدقيته.ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية، أصبح الفقر وارتفاع تكاليف التنقل عبئاً إضافياً على الأسر، ما دفع كثيراً من الأهالي إلى صعوبة الاستمرار في متابعة علاج أطفالهم.ومع ازدياد تعقيد الاحتياجات النفسية والاجتماعية، بدأ المركز يعتمد على وسائل جديدة، من بينها تقديم بعض الخدمات عن بُعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الزيارات الميدانية التي تصل إلى الأطفال في أماكن وجودهم.تحويل الأمهات إلى شريكات في العلاجلكن التجربة الأهم، كما تقول عودة، كانت في تحويل الأمهات إلى شريكات في العلاج، فقد طور المركز برامج تدريب للأمهات والأشقاء ومقدمي الرعاية في الحضانات ورياض الأطفال، بحيث أصبحت الأم المدربة قادرة على نقل المعرفة إلى غيرها، لتصل الخدمة إلى الأطفال حتى في أصعب الظروف.وتستشهد عودة بتجربة تعاون مميزة مع بلدية أريحا وجامعة بيرزيت، حيث أُنشئت أول حديقة حسية للأطفال المصابين بالتوحد في المنطقة، بعد أن وفرت البلدية الأرض والصيانة، بينما شارك الطلبة والمتطوعون في تنفيذ المشروع، ليصبح الدعم المجتمعي بالنسبة لها دليلاً على أن الرعاية يمكن أن تنمو حتى في أكثر البيئات قسوة.علاقات متينةترى د. جمانة عودة أن العمل مع الأطفال في فلسطين لم يعد يقتصر على العلاج والرعاية، بل تحول مع السنوات إلى نافذة إنسانية واسعة تعكس صورة فلسطين أمام العالم من زاوية مختلفة؛ صورة شعب يحاول حماية أضعف فئاته رغم الاحتلال والحصار والظروف القاسية. ومن خلال مركز "الطفل السعيد - فلسطين" في رام الله، تقول عودة إن الدفاع عن الأطفال ذوي الإعاقة أصبح أيضاً دفاعاً عن الرواية الفلسطينية نفسها.خلال السنوات الماضية، نسج المركز شبكة واسعة من العلاقات المهنية والأكاديمية مع مؤسسات دولية مرموقة، من بينها جامعة هارفارد، وجامعة مكغيل في كندا، والكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال، إضافة إلى مؤسسات طبية وأكاديمية في قطر ولبنان والإمارات.هذه العلاقات، كما توضح عودة، لم تمنح المركز بعداً علمياً فقط، بل أسهمت في تقديم فلسطين بوصفها نموذجاً قادراً على إنتاج تجربة إنسانية ملهمة رغم كل ما يحيط بها.وتشير عودة إلى أن المركز نجح كذلك في استقطاب كفاءات فلسطينية من الشتات، من أطباء وأخصائيين يعودون دورياً للمساهمة في العمل التطوعي، فيما سمحت تقنيات الطب عن بُعد بالتواصل مع مختصين في أوروبا والولايات المتحدة لتقديم استشارات لحالات معقدة.وبالنسبة لعودة، فإن استمرار هذا النموذج لأكثر من ثلاثين عاماً وتحوله إلى تجربة تُدرّس في بعض البرامج الأكاديمية العالمية هو نجاح يتجاوز المؤسسة نفسها ليصبح نجاحاً لفلسطين وأطفالها.وتؤمن عودة بأن من واجب العاملين في هذا المجال أن يكونوا صوتاً للأطفال الذين لا يستطيعون الوصول إلى المنابر الدولية، ولهذا حملت رسائلهم معها إلى المحافل العالمية، ومنها كلمة ألقتها عند تسلمها جائزة المساواة الصحية في الولايات المتحدة عام 2025، حين تحدثت عن الأطفال في غزة وما وصفه مسؤولو الأمم المتحدة بأنه واحدة من أكبر موجات الإعاقات بين الأطفال في التاريخ الحديث.وتقول عودة: إن الجوائز التي حصلت عليها، من جائزة عالم الأطفال في نيويورك إلى جائزة بطل الإنسانية في بروكسل، لم تكن تكريماً شخصياً، بل كانت في نظرها تصويتاً لفلسطين نفسها، ولأطفالها الذين نجحوا في أن يجعلوا العالم ينظر إليهم لا كضحايا فقط، بل كأصحاب حق وصوت وحضور.رسالة أمل لأطفال الإعاقة..حين تتحدث د. جمانة عودة عن الأطفال ذوي الإعاقة، فإنها لا تبدأ من التشخيص الطبي، بل من الأسرة نفسها، وتقول: "إن أصعب مرحلة لا يواجهها الطفل، بل يواجهها الأهل، وتحديداً لحظة التقبل".تشدد عودة على أن قبول الطفل كما هو، بالنسبة لها، هو الخطوة الأولى في طريق طويل من الحب والصبر والإيمان، لأن كل طفل، مهما بدت تحدياته كبيرة، يحمل في داخله قدرة تستحق أن تُكتشف وتنمو.من خلال تجربتها الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً في مركز "الطفل السعيد- فلسطين" تؤكد عودة أن أكثر ما تعلمته لم يكن من الكتب أو الجامعات، بل من أمهات هؤلاء الأطفال، فقد رأت كيف تمسك الأم بيد طفلها سنوات طويلة، وكيف يرفض الأب الاستسلام، وكيف تتحول الأسرة كلها إلى دائرة حماية ورعاية.وفي كثير من الحالات، لم يكن النجاح فردياً، بل نتيجة شبكة من الدعم امتدت من العائلة الكبيرة إلى المجتمع المحلي، حيث ساعدت أمهات بعضهن بعضاً، ورافق آباء أسرًا أخرى في رحلة البحث عن مدرسة أو خدمة تقبل أبناءهم.وتوضح عودة أن المركز لم يكتفِ بالعلاج، بل عمل على تدريب المدارس والمعلمين في مختلف المناطق، ليتمكن الأطفال من العيش بكرامة داخل الصفوف العادية.وتشير عودة إلى أن بعض المبادرات التي بدأت مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية تمثل بداية مهمة نحو دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع بصورة أوسع وأكثر احتراماً.ورغم الألم الذي خلفته الحروب المتكررة، خصوصاً في غزة، تؤكد عودة أنها ما زالت متفائلة، فالمركز، كما تقول، وُلد وعاش في ظروف قاهرة، تحت الاحتلال والإغلاقات، لكنه استمر لأن هناك أمهات لم يفقدن الإيمان، وأخصائيين أحبوا عملهم، وأصدقاء في فلسطين وخارجها آمنوا بفلسفة مركز "الطفل السعيد- فلسطين".وتأمل عودة أن تتوسع التجربة لتصبح نموذجاً وطنياً شاملاً، عبر تعاون أكبر مع وزارة الصحة الفلسطينية لتطبيق برامج الكشف المبكر والتدخل السريع في مختلف المحافظات، خاصة للأطفال بين عمر سنتين وست سنوات.كما تسعى عودة إلى توسيع برامج تدريب الأمهات ومقدمي الرعاية، انطلاقاً من قناعة تشكلت لديها خلال سنوات الانتفاضات والحصار، بأن أفضل استثمار يمكن أن تقدمه المؤسسة هو أن تمنح الأسرة نفسها القدرة على أن تصبح جزءاً من العلاج.أما رسالتها الأخيرة، فهي بسيطة لكنها عميقة: لا شيء مستحيل، ما دام هناك من يؤمن بالطفل، ويرى فيه إنساناً كاملاً يستحق الحياة والكرامة والأمل.

جمانة عودة.. طبيبة الأطفال وسفيرة أحلامهم وحقوقهم إلى العالم

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)