لم تكن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا وآيرلندا الشمالية مفاجئة للمراقبين، حيث عكست استطلاعات الرأي مسبقاً توجه حزب العمال الحاكم نحو تراجع ملموس. ويرى محللون أن القيادة الحالية للحزب، برئاسة كير ستارمر، تفتقر إلى المبادئ الصلبة والكاريزما السياسية، مما جعل انتصاراتها السابقة تبدو وكأنها استثمار لأخطاء الخصوم لا أكثر.
بالنظر إلى الأرقام التاريخية لانتخابات عام 2024، نجد أن حزب العمال حصد أغلبية مقاعد البرلمان بنسبة تصويت لم تتجاوز 34%، وهي الحصة الأدنى لأي حزب فائز منذ الحرب العالمية الثانية. هذه النسبة لا تمثل زيادة حقيقية عن نتائج الحزب إبان هزيمته في 2019، مما يؤكد أن التفويض الشعبي كان هشاً ومبنياً على معاقبة المحافظين.
في المقابل، شهد حزب المحافظين انهياراً دراماتيكياً في قاعدته الانتخابية، حيث هوت نسبة أصواته من 44% إلى 20% خلال خمس سنوات فقط. هذا النزف التصويتي لم يذهب بالضرورة إلى الوسط، بل صب في مصلحة اليمين المتطرف المتمثل في حزب «الإصلاح» الذي يتبنى خطاباً معادياً للمهاجرين والاتحاد الأوروبي.
لقد استفاد كير ستارمر من حالة التشرذم في معسكر اليمين للوصول إلى رئاسة الحكومة، لكنه بدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية، انخرط في تصفية حسابات داخلية. حيث قاد حملة واسعة لإقصاء الجناح اليساري في الحزب، معتمداً على نفوذ التيار اليميني العمالي المرتبط بحقبة توني بلير ومستشاريه السابقين.
الأزمة لم تقتصر على العمال، بل امتدت لتضرب عمق حزب المحافظين الذي يعاني من انشقاقات كبرى نحو التيارات الأكثر تشدداً. والمفارقة تكمن في أن بعض الوجوه الوزارية السابقة التي انضمت لحزب «الإصلاح» تنحدر من أصول مهاجرة، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي الجديد في بريطانيا.
تاريخياً، قامت السياسة البريطانية على ثنائية حزبية بدأت منذ القرن الثامن عشر وتطورت في القرن العشرين لتنحصر بين العمال والمحافظين. إلا أن النتائج الأخيرة تشير بوضوح إلى تصدع هذا النظام التقليدي أمام صعود قوى سياسية بديلة بدأت تفرض نفسها على الخارطة الانتخابية بقوة.
💬 التعليقات (0)