لا يمثل التاسع من مايو مجرد تاريخ عابر في القارة العجوز، بل هو مرآة تعكس انقساماً عميقاً في قراءة إرث الحرب العالمية الثانية. فبينما تضج بروكسل بالاحتفالات السياسية التي ترمز لولادة مشروع التعاون المشترك، تتحول موسكو إلى ثكنة عسكرية تستعرض فيها قوتها الوطنية وتستعيد أمجاد الاتحاد السوفيتي.
في بروكسل، يُحتفى بـ 'يوم أوروبا' استناداً إلى إعلان وزير الخارجية الفرنسي الأسبق روبرت شومان عام 1950. هذا الإعلان التاريخي اقترح دمج إنتاج الفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا، وهي الخطوة التي وضعت حجر الأساس لما يعرف اليوم بالاتحاد الأوروبي.
لم يكن اختيار قطاعي الفحم والصلب مجرد قرار اقتصادي تقني، بل كان استراتيجية لمنع نشوب حروب جديدة عبر السيطرة على عماد الصناعات العسكرية. لقد قام المشروع الأوروبي في جوهره على فكرة أن تقاسم الموارد وإدارتها جماعياً هو الضمان الوحيد لعدم تكرار المآسي الدموية التي شهدتها القارة.
على المقلب الآخر، تتبنى موسكو سردية مختلفة تماماً تحت مسمى 'يوم النصر' في 'الحرب الوطنية العظمى'. هذه المناسبة ترتبط في الوعي الروسي بالتضحيات البشرية الهائلة التي قدمها السوفيت في مواجهة النازية، وهي تضحيات لا تزال تشكل ركيزة الهوية القومية الروسية.
في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، تحول هذا اليوم من مجرد ذكرى تاريخية إلى طقس سياسي يعزز صورة الدولة القوية. وتتجلى هذه الرمزية في العروض العسكرية الضخمة بالساحة الحمراء، حيث يتم ربط صمود الماضي بطموحات الدولة الروسية المعاصرة وتحدياتها الراهنة.
لكن احتفالات هذا العام لم تكن كسابقتها، إذ خيمت عليها ظلال الحرب المستمرة في أوكرانيا والمخاوف الأمنية المتزايدة. فقد اضطرت السلطات الروسية لتنظيم عرض عسكري محدود نسبياً، وسط إجراءات مشددة تحسباً لأي هجمات محتملة بالطائرات المسيرة التي باتت تهدد العمق الروسي.
💬 التعليقات (0)