لم تعد الحكومات الغربية الرأسمالية المهيمنة على قطاعات التكنولوجيا تخشى الجماهير الرقمية كما كانت تخشاها في بدايات صعود المنصات الاجتماعية. في تلك المرحلة كان يُنظر إلى فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام باعتبارها ساحات مفتوحة للاحتجاج وكشف الفساد وتنظيم الرأي العام وتجاوز الإعلام التقليدي. لكن ما حدث لاحقاً أن هذه الحكومات لم تعد بحاجة دائمة إلى إسكات الناس مباشرة، بل وجدت في الخوارزمية خط الدفاع الأول عنها.
الخوارزمية اليوم لم تعد أداة تقنية بريئة ترتب المحتوى حسب الاهتمام، بل أصبحت بنية حكم ناعمة تتحكم في ما نراه وما لا نراه، وما ينتشر وما يختفي، وما يتحول إلى قضية عامة وما يُدفن تحت ركام الترفيه والضجيج. السلطة الحديثة فهمت أن السيطرة لا تكون دائماً بمنع الكلام، بل بالسماح للجميع بالكلام داخل فضاء قادر على امتصاص الغضب وتفتيته وتحويله إلى بيانات ومشاهدات وتفاعل عابر.
وهنا تكمن المفارقة. المواطن يظن أنه يمارس احتجاجاً رقمياً حراً عندما يكتب منشوراً غاضباً أو يشارك وسمًا أو يدخل في حملة إلكترونية صاخبة، لكن النظام الرقمي لا ينزعج كثيراً من هذا الغضب ما دام قابلاً للقياس والتوجيه والإخماد. بل إن الإفراط في الغضب قد يخدم المنظومة نفسها، لأنه يحول الاحتجاج من فعل سياسي واعٍ إلى استهلاك عاطفي سريع. يغضب الناس لساعات أو أيام، ثم ينتقلون إلى قضية أخرى، وترند آخر، وموجة جديدة من الصراخ الرقمي.
في الحالة الفلسطينية يظهر هذا المعنى بوضوح مضاعف، لأن الجمهور الرقمي لا يعيش رفاهية النقاش النظري، بل يتفاعل مع قرارات تمس تفاصيل حياته اليومية مباشرة؛ من الغلاء وارتفاع أسعار السلع والمحروقات، إلى الضرائب والرسوم، إلى قرارات يشعر الناس أحياناً أنها تصدر فوق قدرتهم الاقتصادية والنفسية. كل قرار لا يلقى قبولاً شعبياً يتحول سريعاً إلى موجة غضب على فيسبوك وتيك توك وواتساب؛ منشورات ساخرة، تعليقات حادة، دعوات للاحتجاج، واتهامات واسعة للحكومة أو الجهات المسؤولة. لكن هذا الغضب، رغم صدقه ووجاهة أسبابه، غالباً ما يبقى محصوراً في دائرة التفريغ الرقمي؛ يرتفع ثم يذوب أمام خبر جديد أو أزمة جديدة أو ترند مختلف. وهنا تصبح السلطة أقل خوفاً من الجمهور الرقمي، لأنها تعرف أن الغضب غير المنظم لا يصنع بالضرورة تغييراً في القرار.
المشكلة ليست في الغضب ذاته. الغضب أحياناً ضرورة أخلاقية وسياسية وإنسانية. المشكلة في تحويله إلى بديل عن التنظيم والتحليل وبناء التحالفات وحماية الناشرين وفهم قوانين المنصات ومآلات النشر. قد لا يُحذف المنشور، لكن يُخفض وصوله. قد لا يُغلق الحساب، لكن تُضعف ثقته. قد لا تأتي العقوبة فوراً، لكن يُبنى حول الناشر سجل خوارزمي طويل يرافقه في كل منشور قادم. وهكذا يصبح التعبير بالغضب محفوفاً بالمخاطر من دون أن يكون بالضرورة مؤثراً في موازين القرار.
الحكومات لم تعد تخاف كثيراً من جمهور غاضب يمكن تفتيته وتحويله إلى بيانات. هي تخاف أكثر من جمهور منظم يعرف ماذا يريد، وكيف يصوغ مطالبه، ومتى يصعد، ومتى يهدأ، وكيف يحول التضامن إلى ضغط سياسي وإعلامي وقانوني واقتصادي. تخاف من الوثيقة الدقيقة أكثر مما تخاف من الشتيمة، ومن السردية المحكمة أكثر مما تخاف من الصراخ، ومن الجمهور الذي لا يكتفي بالمشاركة بل يسأل: ماذا بعد المشاركة؟
💬 التعليقات (0)