يأتي كتاب 'القيم الإسلامية إلى أين؟ مقاربة قرآنية في فلسفة الأخلاق' للباحث عبد الحق الزموري، والصادر عن دار ارتحال للنشر، ليناقش واحدة من أعقد قضايا العصر. يرى المؤلف أن الحديث عن أزمة القيم لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو انعكاس لارتباك الإنسان المعاصر أمام تآكل المعايير الأخلاقية الثابتة. ويحاول الكتاب استكشاف ما إذا كان النص القرآني قادراً على تقديم إجابات تتجاوز السياق الديني الخاص نحو أفق إنساني كوني.
يشخص الزموري الواقع الراهن بوصفه عالماً تُعاد فيه صياغة مفاهيم الخير والشر وفق منطق المنفعة والقوة المادية. ويرى أن القيم التي بشرت بها الحداثة، مثل الحرية والكرامة، بدأت تفقد قدرتها على الإلزام في ظل تصاعد النزعات الفردانية المفرطة. هذا التآكل الأخلاقي يدفع الباحث للبحث عن مرجعية أكثر ثباتاً وقدرة على مخاطبة الجوهر الإنساني بعيداً عن المصالح الآنية.
يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية استعادة معنى القيم الإنسانية من داخل المرجعية القرآنية في عالم تشكلت مرجعياته خارج الأفق الديني. ولا يتوقف هذا الطرح عند حدود التأصيل الشرعي التقليدي، بل ينفتح على إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق في الفضاء العام. ويسعى المؤلف لتقديم قراءة قادرة على الدخول في حوار فعلي مع التصورات الأخلاقية الحديثة والمعاصرة.
ينطلق الإطار النظري للكتاب من مسلمة مفادها أن القيم ليست مجرد قواعد سلوكية متغيرة أو أعراف اجتماعية ظرفية. بل يميل الزموري إلى منح القيم بعداً معيارياً يتجاوز التاريخ، معتبراً إياها تعبيراً عن حاجة إنسانية فطرية للمعنى والانتظام. ويحاول المؤلف الموازنة بين فكرة 'كونية القيم' وتعدد تمظهراتها في السياقات الثقافية المختلفة دون المساس بجوهرها.
يربط الكتاب بين تراجع المرجعيات الدينية وهيمنة المنطق النفعي وبين ما يسميه 'تآكل البنية الأخلاقية' للمجتمعات الحديثة. ويطرح تساؤلاً منهجياً حول ما إذا كنا نعيش غياباً للقيم أم مجرد تحول في أنماط إنتاجها وتداولها خارج الأطر التقليدية. هذا التشخيص يحدد طبيعة الحل المقترح، حيث يبرز القرآن كمرجعية قادرة على إعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والقيمة.
يتحرك المنهج التأويلي في الكتاب في منطقة دقيقة تتقاطع فيها حدود التفسير الديني مع أفق الفلسفة الأخلاقية المعاصرة. فالمؤلف لا يكتفي باستخراج الأحكام، بل يسعى لإعادة قراءة النص في ضوء أسئلة الكونية والمعنى الإنساني الشامل. هذا الانتقال يتطلب وساطة مفهومية تسمح للنص بمخاطبة إشكالات لم تكن مطروحة وقت نزوله بصيغتها الحالية.
💬 التعليقات (0)