شهدت الساحة السياسية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية تذبذباً حاداً في مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن عن إطلاق مشروع 'حرية الملاحة' في مضيق هرمز ثم تراجع عنه سريعاً. هذا التراجع يعكس فجوة عميقة بين التهديد العسكري والقدرة على التنفيذ، حيث حاول ترامب الإيحاء بجدية التحرك عبر حشد آلاف الجنود وعشرات الطائرات والقطع البحرية.
يرى مراقبون أن إعلان ترامب تعليق العملية العسكرية بذريعة وجود وساطة باكستانية أو تقدم في المفاوضات ليس سوى محاولة للحفاظ على ماء الوجه. الحقيقة تكمن في أن مضيق هرمز يمثل 'عقدة المنشار' التي لا يحتمل الاقتصاد العالمي، والأمريكي على وجه الخصوص، تبعات إغلاقه أو استمرار التوتر فيه لفترات طويلة.
إن التلويح بالقوة يهدف في جوهره إلى التأثير على أسعار النفط ومنع تصاعدها المستمر، وهو ما يفسر لجوء واشنطن لإشاعات التوافق مع طهران. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى بقاء أكثر من ألفي سفينة تجارية وناقلة نفط في حالة ترقب، بانتظار حلول تضمن المرور الآمن بعيداً عن لغة الاشتباك العسكري.
في المقابل، تبدو إيران أكثر جرأة في إدارة الصراع، حيث انتقلت من مرحلة امتصاص الصدمات إلى فرض قواعد اشتباك جديدة في الميدان وفي غرف التفاوض. وقد تجلى ذلك في ردها على المقترحات الأمريكية بمقترحات مضادة، ورفضها لمسودات التفاهم التي وصفتها بأنها تتضمن شروطاً غير مقبولة وتنتقص من سيادتها.
لقد أثبتت طهران سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز من خلال إطلاق آلية تنظيمية جديدة للملاحة تلزم السفن باتباع لوائحها الخاصة. هذا التحرك العملي، المدعوم بالقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، وضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج، خاصة بعد فشل محاولات الاقتراب من المضيق التي قوبلت برد حازم.
يتساءل الكثيرون عن مدى استعداد ترامب لإبرام اتفاق حقيقي ينهي حالة التوتر، خاصة وأن أي تراجع حالي قد يُفسر كإعلان فشل لمغامراته العسكرية غير المحسوبة. فالإدارة الأمريكية تجد نفسها اليوم أمام خصم صمد في وجه أقصى الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وبات يمتلك زمام المبادرة في الساحتين السياسية والميدانية.
💬 التعليقات (0)