تعيش تونس اليوم في قلب تحولات إقليمية ودولية عميقة، حيث تجد نفسها متأثرة بتداعيات جيو-سياسية كبرى رغم عدم تموضعها المباشر في عين العاصفة. ويأتي هذا الواقع في ظل غياب مقومات السيادة الاقتصادية والاجتماعية التي تحمي القرار الوطني من التدخلات الخارجية والهندسة الفوقية للمجتمع.
تشير القراءات السياسية إلى أن الديمقراطية الموجهة لم تعد أولوية لمراكز القرار الدولي كما كانت بعد 'الربيع العربي'. فقد عادت الأولوية لمفهوم الاستقرار، مما يعني أن القوى العالمية باتت تهتم بقدرة الأنظمة على الهيمنة الداخلية ومنع التوترات التي قد تهدد المصالح الحيوية للغرب ووكلائهم المحليين.
إن الدعم الغربي المشروط للديمقراطية في تونس لم يكن في جوهره إلا بحثاً عن شكل جديد من 'الكيانات الوظيفية'. هذا الشكل كان يراد له ضمان المصالح الغربية تحت غطاء قيمي حضاري، بعيداً عن الصورة النمطية للغرب كداعم تاريخي للأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية.
تستخدم القوى الدولية ملفات الحريات والحقوق كأدوات للابتزاز السياسي وتحقيق مكاسب مادية ورمزية. فالدعوات الإعلامية للانفتاح الديمقراطي غالباً ما تكون موجهة للاستهلاك أمام الرأي العام الغربي، بينما تظل الحقيقة مرتبطة بمدى استجابة هذه الأنظمة للإملاءات الخارجية.
عندما أعلن الرئيس قيس سعيد تفعيل الفصل 80 من الدستور في يوليو 2021، اعتبر الكثيرون ذلك استجابة لانتظارات شعبية واسعة. ورغم انخراط نخب 'حداثية' في دعم هذه السردية، إلا أن الهدف كان يتجاوز مجرد إصلاح المسار نحو بناء منظومة سياسية بديلة بالكامل.
راهنت بعض القوى السياسية على أن 'تصحيح المسار' سيعيد إنتاج نموذج الاستقرار السلطوي الذي يمنحها أدواراً هامشية كما كان في العهود السابقة. لكن المشروع الجديد أثبت أنه لا يعمل بنظام 'المناولة'، بل يسعى لإنهاء دور الأجسام الوسيطة في الديمقراطية التمثيلية لصالح رؤية قاعدية.
💬 التعليقات (0)