الكثيرون ممن يقرؤون تعسر إبرام اتفاق سلام بين واشنطن وطهران، يعتقدون أن المشكلة تكمن في أزمة الثقة التي تفسر هذه الدائرة المغلقة، التي تبدأ بالدبلوماسية، ثم الإعلام حيث تصريف السرديات المتقابلة، ثم التهديد بالقوة، ثم إعلان المبادرات غير المفهومة، ثم العدول عنها لأجل الدبلوماسية والاستجابة للوسطاء، ثم العودة مرة أخرى للإعلام وهكذا.
البعض يرى أن الاتفاق مستحيل، لأنه لا يتصور مخرجا للخلاف حول القضية المركزية المتعلقة بالملف النووي، والبعض الآخر، لا يزال يؤمن بأن الرئيس الأمريكي، لن يستطيع الخروج من الفخ الإسرائيلي، ولا يستطيع بالمطلق أن يمضي في اتفاق لا يحقق الأهداف الإسرائيلية، وهي بالمناسبة متناقضة مع النقاط الحمر لا يمكن لطهران التنازل عنها.
الوقائع تشير إلى أن مؤشرات الحرب تتزايد، فالتحشيد الأمريكي الكثيف لا يمكن ألا يعني شيئا، وهو بالمناسبة يتزايد مع تزايد فرص الدبلوماسية، مما يثير قلق طهران، ويصعب مأمورية انخراطها في أي حوار جدي، فما دام الشك قائما، فأزمة اللاثقة تصير عقبة أساسية أمام الدبلوماسية. أخبار ذات صلة مفاوضات جديدة بين واشنطن وطهران نهاية الأسبوع واشنطن تعلن احتجاز سفينة إيرانية وطهران تتوعد بالرد
لكن، دعونا نفكر بقدر كبير من العقلانية، حتى نفكك الصورة، ونفهم خلفية تلك الدائرة المغلقة، التي يتصور البعض أنها لن تخرج شيئا من عنق الزجاجة، فواشنطن لا تريد الحرب، ليس لأن أثرها في تحريك الدبلوماسية في اتجاه شروطها لن يكون فعالا، ولكن، لأن خسائرها في حرب الأربعين يوما، تشكل مرجعية مهمة في تقديرها للموقف، فشبكة «سي إن إن» كشفت جزءا مهما من خسائر المنشآت العسكرية الأمريكية في دول الخليج والأردن استنادا إلى صور أقمار اصطناعية، وهي تعطي صورة عن هذا السيناريو، ولذلك الأقرب إلى التحليل، أنها تستعمل التحشيد العسكري للضغط الدبلوماسي لتحسين الموقع التفاوضي، والخروج باتفاق سيئ بالنسبة لإيران، وأفضل من الاتفاق الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما سنة 2015 وألغاه دونالد ترامب سنة 2018.
تفسير هذه الدائرة المغلقة يعود بالدرجة الأولى إلى الموقف الأمريكي، فطهران التي يصورها الإعلام الغربي والإسرائيلي، متمسكة بثوابتها التفاوضية، تبين عن قدر كبير من البراغماتية، على الأقل كما يبين ذلك مسارا مسقط وجنيف، وجولة المفاوضات السابقة بوساطة باكستانية، والورقة التي تقدمت بها، تثبت أنها مستعدة لإيقاف التخصيب لسنوات قد تصل إلى عشر سنوات، وربما خمس عشرة سنة، وكل ما في الأمر، أنها تريد ضمانات دولية بعدم الهجوم عليها مرة أخرى، وواشنطن لا تمانع بالمطلق في أن يقابل التنازل الإيراني في الملف النووي برفع الحصار الاقتصادي عنها، والإفراج عن أصولها المجمدة، وربما لا تعارض حتى مبدأ أن تحتفظ طهران بالحق في تسلم تعويضات من السفن العابرة لمضيق هرمز لقاء خدمات أمنية ولوجستية، ولذلك تغيرت المفردات في الخطاب التفاوضي من استعمال كلمة «رسوم» إلى استعمال كلمة «تعويضات».
تبدو المشكلة في مساحة أخرى، تنتمي إلى السياسة الداخلية أكثر مما هي جزء من الخلاف بين الطرفين، فكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والسلطات العليا في إيران، يواجهان تحديات داخلية كبيرة، وإن كان التحدي الأكبر يقع على الجانب الأمريكي، الذي يجد نفسه معنيا من خلال الاتفاق الذي سيتم إبرامه في النهاية بالجواب عن أسئلة كثيرة في الداخل، منها: لماذا خضتم الحرب إذا كان الحصيلة ستبدو بهذه الهزالة؟ ولماذا ألغيتم الاتفاق النووي إذا كنتم ستضطرون بعد حرب خاسرة ومكلفة أن تبرموا اتفاقا أسوأ منه؟ ولماذا عرضتم الاقتصاد الأمريكي لتحديات التضخم وعرضتم المواطنين لأزمة ارتفاع أسعار المحروقات وما يلحقها من متاعب إذا كنتم في الأخير ستبرمون اتفاقا يقوي الاقتصاد الإيراني، ويضمن له إمكان العودة بإيران أكثر قوة مما كانت عليه من قبل؟ ثم إذا كنتم خضتم هذه الحرب من أجل منع إيران من تملك سلاح نووي فلماذا قبلتم في نهاية المطاف إيقاف الحرب وإبرام اتفاق سلام من دون أن تحصلوا على كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة؟ ولماذا قبلتم لعبة أن تسلمها إيران لدولة تعتبرها حليفة لطهران؟ لماذا فشلتم في تضمين الاتفاق أي نقاط تتعلق بإيقاف برنامجها الباليستي، ومحاورها الإقليمية؟
💬 التعليقات (0)