الكاتب: خلف عثمان، مركز تقدم للسياسات- لندن
في مايو 2026، أصدر البيت الأبيض وثيقة "الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب"، وهي وثيقة تستحق قراءة نقدية متأنية لا لما تُعلنه، بل لما تُخفيه؛ إذ تنطوي على رؤية لإعادة تعريف الإرهاب ذاته بما يُوسّع نطاقه ليشمل خصوم الإدارة السياسيين، وتُشرعن تدخلات عسكرية خارج الأطر القانونية الدولية المستقرة، وتُرسي نموذجاً للشراكة الأمنية الدولية المشروطة بالتوافق الأيديولوجي لا بالمصالح المشتركة.
أولاً: توسيع تعريف الإرهاب - السلاح المزدوج:
تُحدّد الوثيقة ثلاثة أصناف من التهديدات الإرهابية: الكارتلات وعصابات المخدرات، والجماعات الإسلامية الجهادية، و"المتطرفون العنيفون من اليسار" بما فيهم الفوضويون ومناهضو الفاشية. وهذا التصنيف الثلاثي يحمل إشكالية منهجية عميقة؛ فإدراج منظمات المخدرات والحركات السياسية الداخلية في خانة الإرهاب الدولي يمنح الإدارة صلاحيات استثنائية تتجاوز الأطر القانونية المعتادة لمكافحة الجريمة المنظمة أو التعامل مع المعارضة السياسية الداخلية. والأخطر أن الوثيقة تُصنّف "المتطرفين من اليسار" ضمن أولويات الاستهداف الأمني، وهو توسيع لمفهوم الإرهاب يتيح توجيه أدوات الأمن القومي نحو جماعات احتجاجية ومعارضة سياسية داخلية، وهو مسار يتعارض مع مبادئ الحرية المدنية التي تزعم الوثيقة الدفاع عنها.
ثانياً: الحرب على إيران - التشريع بأثر رجعي:
تُدرج الوثيقة عمليتي "المطرقة في منتصف الليل" و"الغضب الملحمي" ضمن إطار مكافحة الإرهاب، وهو تأطير يخدم غرضاً مزدوجاً: إضفاء الشرعية على الحرب بوصفها دفاعاً استباقياً لا هجوماً، وتعقيد أي مسار دبلوماسي مستقبلي مع طهران. بيد أن إدراج دولة ذات سيادة في خانة "الراعي الأول للإرهاب" واستخدام هذا التصنيف مسوّغاً للعمليات العسكرية يُشكّل سابقة خطيرة؛ إذ يُفضي إلى إسقاط الفوارق القانونية الدولية بين الحرب ومكافحة الإرهاب، وإلى منح الرئيس صلاحيات حرب غير محدودة تحت مسمى "العمليات الحركية لمكافحة الإرهاب"، بعيداً عن الرقابة التشريعية التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب.
💬 التعليقات (0)