أمد/ تتشابك خيوط المشهد الجيوسياسي في قطاع غزة ضمن سياقات بالغة التعقيد تتجاوز التعريفات التقليدية للهزيمة العسكرية، إذ لا يُمنح الطرف الأضعف (حماس) فيها فرصة البقاء التي تتيح له ترميم صفوفه ومعاودة الكرة بعد معالجة أسباب انكساره. إننا أمام مواجهة لا تقبل بأنصاف الحلول، حيث تبتعد عن المسارات الكلاسيكية للصراعات لتستقر في منطقة إعادة صياغة الوجود الكلي للقوى الفاعلة على الأرض، وتغيير واقعها الجذري بشكل نهائي. وعليه، تبدو احتمالات العودة إلى العمليات العسكرية المكثفة إلى قطاع غزة ضئيلة بالنظر إلى حجم المتغيرات البنيوية التي أدت إلى إنهاء دور حماس كقوة سيطرت على القطاع سابقاً. إن جوهر التحول الاستراتيجي الراهن يكمن في انتقال إسرائيل من سياسة احتواء التهديدات إلى استراتيجية الاستئصال النهائي للأدوات التي مكنت حركة حماس من ممارسة الحكم، مما يضع الحركة في مسار التلاشي والاندثار التاريخي بعيداً عن أي دور مستقبلي في إدارة غزة. إن القبول ببنود الخطة الدولية والنقاط الإحدى والعشرين يمثل نقطة النهاية لمرحلة وبداية لمرحلة أخرى تخلو تماماً من وجود الحركة كلاعب سياسي أو عسكري. إنَّ انحلال التفاهمات الضمنية التي حكمت العلاقة بين حماس وإسرائيل لفترات طويلة، قد أدى إلى تقويض النموذج السياسي السابق في قطاع غزة، معلناً بذلك نهاية حقبة حكم الحركة الأيديولوجية المسلحة بشكل لا رجعة فيه. ومع تفكيك الركائز الأربع التي استندت إليها سلطة الحركة، وهي: الدعم الإيراني، والرعاية الإقليمية، والقدرة الإدارية، والغطاء السياسي، تحولت حماس إلى جسم غريب في بيئة سياسية لم تعد تتقبل وجودها. فبين العزلة المالية واللوجستية المطبقة، وتدمير منظومات الأنفاق الاستراتيجية، فَقَدَت الحركة قدرتها على البقاء أو المناورة، لتتحول من سلطة حاكمة ومسيطرة إلى كيان يندثر تحت وطأة واقع جديد يعيد تشكيل المنطقة جذرياً. يتشكل المشهد الحالي في قطاع غزة، من خلال استراتيجية 'السيطرة الجراحية'، التي تتجاوز العمل العسكري التقليدي إلى نمطٍ يستهدف العقاب والتأديب الممنهج لما تبقى من كوادر وبنية الحركة؛ لضمان اجتثاث أي جذور قد تسمح لها بالعودة مستقبلاً. ويتزامن هذا المسار العقابي مع تحرك حثيث لفرض واقع سياسي جديد، عبر هندسة إدارات مدنية بديلة تتولى ملفات الإعمار وتسيير تفاصيل الحياة اليومية، في قطيعة تامة مع إرث الماضي. ومع تآكل الركائز التي كانت تمنح الحركة ميزتها التنافسية —بوصفها سلطة حكم وقوة مقاومة— وانهيار غطائها الشعبي والإقليمي، تندفع الترتيبات الأمنية والسياسية الراهنة نحو تسريع تغييب الحركة وإقصائها تدريجياً حتى تتلاشى تماماً من الخارطة العامة. على الصعيد الميداني، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى تدمير البنية التحتية العسكرية بشكل يصعب ترميمه، مما يضع أي حديث عن استعادة الوجود في خانة الأوهام، خاصة مع محاولات جارية لفرض رقابة دولية وإقليمية صارمة تمنع إعادة إنتاج النموذج القديم. إن المسار السياسي المطروح حالياً يعزز من فرضية أن القطاع يتجه نحو هوية إدارية جديدة كلياً لا مكان فيها للفصائل المسلحة، وهو ما يتناغم مع الرغبة الأمريكية في اجتثاث بؤر التوتر بشكل نهائي. إن بقاء الحركة خارج السلطة وخارج دائرة الفعل العسكري يعني بالضرورة موتها السريري ثم اندثارها الكامل كقوة مؤثرة، مما يحقق المعادلة الأمنية لإسرائيل دون الحاجة لمغامرات عسكرية مكلفة. ينبغي النظر إلى الموقف الراهن، أي العلميات العسكرية الجراحية التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة، بوصفها عمليات تطهير شاملة للمجال العام في قطاع غزة من العمل التنظيمي المسلح، حيث يحل الاستقرار المدني محل الصدام، وتتحول غزة إلى منطقة تدار بآليات احترافية بعيدة عن الأيديولوجيا والتنظيمات المسلحة. إن جهود الأطراف الدولية في تقديم البديل الإداري سيبدو يمثل الضمانة لعدم عودة الواقع القديم ولترسيخ واقع يخلو من وجود الحركة للأبد. وفي هذا السياق، يظهر أن التوجه الإسرائيلي يمضي نحو تغليب منطق الإدارة الشاملة ودمج غزة ضمن منظومة التكامل الإقليمي، مما يحيل حركة حماس رسمياً إلى حقبة من الماضي لن تجد لها موطئ قدم في المستقبل. إن ملامح غزة التي تُعاد هندستها الآن بأدوات محلية وضمانات دولية مستحدثة، تؤسس لواقع جديد كلياً يهدف إلى إغلاق صفحة المرحلة السابقة وضمان عدم تكرارها ضمن الترتيبات الإقليمية القادمة. كل ذلك، يقوض أي ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية الكبرى، حيث يؤدي هذا الواقع الجديد إلى انتفاء المبررات الموضوعية لشن حملات مكثفة أو واسعة النطاق، مستبدلاً إياها بنمط مستدام من السيطرة الأمنية الدقيقة التي تضمن استقرار الترتيبات القائمة دون الحاجة للعودة إلى مربع المواجهات الشاملة.
للمرة الأولى..الرئيس الإيراني بزشكيان: اجتمعت مع المرشد الأعلى لساعتين ونصف
اليوم 70..حرب إيران ومشروع إنهاء الحرب عبر مفاوضات الـ 30 يوما
الطاقة الدولية: حرب إيران تهدد إمدادات الغاز حتى 2030
سكان مدينة يافا يطردون الوزير الإرهابي بن غفير: أخرج من هنا- فيديو
أمريكا تستأنف إجراءات ترحيل الطالب الفلسطيني محسن المهداوي
💬 التعليقات (0)