في قطاع غزة، لا تسير الأيام كما خُطِّط لها. الفرح نفسه يمكن أن يتعثر في منتصف الطريق، وأن يتحول من موعدٍ مُنتظر إلى ذكرى موجعة قبل أن يبدأ. هكذا وجدت لينا مقداد نفسها، عروسًا تستعد لزفافها، بينما كانت الحياة تكتب لها نهاية أخرى لبداية لم تكتمل.
قبل يوم واحد فقط من الزفاف، كان والدها، الشهيد عماد مقداد، ما يزال منشغلًا بتفاصيل العرس. لم يكن يؤدي دور الأب فحسب، بل كان حاضرًا في كل تفصيلة: يختار، يرتب، يطمئن، كأن هذا اليوم هو تتويج عمره كله. كان ينتظر أن يرى ابنته بالفستان الأبيض، تلك اللحظة التي يحتفظ بها كل أب في خياله طويلًا. لكن الغارة كانت أسرع من الحلم.
في لحظة، انقطع كل شيء. لم يعد هناك وقت للعدّ التنازلي، ولا مساحة لإكمال ما بدأ. تحوّل البيت الذي كان يستعد لاستقبال المهنئين إلى بيت عزاء، وتحولت التفاصيل الصغيرة التي كانت تُعدّ للفرح إلى أشياء معلّقة لا تجد مكانها.
تجلس لينا اليوم في مكان نزوح داخل غزة، تحمل فستانها الأبيض كما لو أنه شاهد على ما حدث، لا على ما كان يجب أن يحدث. تقول بصوتٍ يكاد لا يُسمع إن والدها كان يحلم أن يراها عروسًا، لكن الصواريخ كانت أسرع من كل الأحلام. لم يعد الفستان وعدًا بيوم سعيد، بل صار يحمل غيابًا ثقيلًا لا يمكن تجاوزه.
الأصعب لم يكن الفقد وحده، بل توقيته. أن يأتي الموت قبل يوم واحد فقط من الزفاف، كأن الحياة قررت أن تختبر أقصى ما يمكن أن يحتمله القلب في لحظة واحدة. تقول لينا إنها رأت والدها “بالأبيض” قبل أن يراها هو كذلك، في إشارة إلى كفنه، جملة قصيرة لكنها تختصر كل ما حدث، وتترك ما تبقى معلقًا في صمت طويل.
في غزة، لا تُقاس المأساة فقط بعدد من رحلوا، بل بعدد اللحظات التي لم تكتمل. عروس لم يمسك والدها بيدها إلى قاعة الفرح، وكرسي سيبقى فارغًا في أكثر اللحظات امتلاءً بالحياة، وبيت فقد معناه في ليلة كان يفترض أن يكون فيها بداية جديدة.
💬 التعليقات (0)