الخميس 07 مايو 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس
لا يأتي المؤتمر الثامن لحركة فتح في سياق تنظيمي عادي، بل في لحظة فلسطينية تتكثّف فيها الأزمات حتى تكاد تعيد تعريف السياسة ذاتها: حرب مفتوحة، انقسام مزمن، ثقة شعبية تتآكل، وعالم يعيد ترتيب أولوياته بعيدًا عن السردية الفلسطينية. في مثل هذه اللحظة، لا يعود السؤال عمّا سينتجه المؤتمر من قرارات، بل عمّا إذا كان قادرًا على مساءلة المسار نفسه: هل ما زالت الحركة تعبّر عن مشروع تحرر وطني، أم أنها باتت تدير واقعًا فقد أفقه؟البداية الحقيقية لأي استنهاض تكمن في شجاعة المراجعة، لا في مهارة الصياغة.فالمؤتمر مدعو إلى نقد صريح يتجاوز العموميات، ليطول بنية الأداء السياسي ذاته: من طبيعة العلاقة مع الاحتلال، إلى وظيفة المؤسسات، إلى خطاب لم يعد دائمًا قادرًا على ملامسة تحولات الواقع. وربما آن الأوان للاعتراف -من داخل التجربة نفسها- بأن جزءًا من الأزمة لم يكن في التعقيد الخارجي وحده، بل في كيفية إدارتنا له.غير أن الأزمة لا تُختزل في السياسة وحدها، بل تمتد إلى الجسد التنظيمي، ما يجعل إعادة بناء البنية التنظيمية ضرورة وجودية لا ترفًا إصلاحيًا. لا يمكن إنكار ما أصاب الأطر الحركية من ترهّل، وما نتج عنه من فجوة بين القاعدة والقيادة. هنا، لا يكفي الحديث عن "تمكين الشباب"، بل المطلوب إعادة توزيع حقيقي للأدوار، يفتح المجال أمام طاقات قادرة على الفعل، لا مجرد الحضور.لكن المعيار الأصدق لأي تحول يبقى في العلاقة مع الشارع. فقد اتسعت الفجوة إلى حدّ بات فيه كثير من الفلسطينيين، خاصة الشباب، لا يرون في الفصائل مرآة لتجربتهم اليومية. استعادة هذه العلاقة لا تمر عبر الخطاب، بل عبر استعادة المعنى: أن يشعر الناس أن الحركة تعبّر عنهم، لا تتحدث باسمهم فقط.وفي سياق الانقسام، لا يمكن للمؤتمر أن يظل شأنًا داخليًا. فإعادة تعريف دور حركة فتح تقتضي أن تتحول إلى رافعة لإعادة بناء المشروع الوطني، على قاعدة الشراكة السياسية والوحدة الميدانية. فاستمرار الانقسام لم يعد مجرد خلل، بل أصبح بنية تُضعف كل محاولة للفعل الوطني.على مستوى الأدوات، تغيّر شكل الصراع جذريًا. لم يعد محصورًا في الأرض، بل امتد إلى الوعي العالمي، إلى اللغة، إلى الصورة. وهذا يفرض على الحركة أن تعيد بناء أدواتها السياسية والدبلوماسية والإعلامية، بحيث تكون قادرة على خوض معركة السردية بقدر قدرتها على إدارة الفعل الميداني.ومع ذلك، يبقى كل حديث عن الإصلاح ناقصًا إن لم يُترجم إلى منظومة مساءلة حقيقية. فالمحاسبة ليست بندًا تنظيميًا، بقدر ما هي شرط لاستعادة الثقة، وضمانة لعدم إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها.غير أن العقدة الأعمق تكمن في تداخل الدور بين الحركة والسلطة. هذا الالتباس، الذي طال أمده، لم يعد يحتمل التأجيل: هل تبقى الحركة أسيرة الوظيفة الإدارية، أم تستعيد موقعها كحركة تحرر تقود الفعل الوطني؟ هنا تحديدًا، لا يعود النقاش نظريًا، بل يتعلق بخيارات سياسية ملموسة ستحدد ملامح المرحلة القادمة.وفي مواجهة الاحتلال، لم يعد كافيًا الاكتفاء بردّ الفعل أو لغة الإدانة. فالمطلوب استراتيجية واضحة، متعددة المستويات، تعيد تعريف أدوات المواجهة، سياسيًا وشعبيًا وإعلاميًا، بما ينسجم مع طبيعة الصراع المتحوّلة.داخليًا، يبرز خطر لا يقل أهمية: تحوّل الحركة إلى ساحة تنافس على النفوذ. حين تفقد الحركات طابعها الجماعي، تفقد معناها التاريخي. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الكفاءات -الفكرية والإعلامية والاقتصادية- مدخلًا لإعادة بناء الدور، لا مجرد تحسين الأداء.كما أن أي مشروع إصلاحي يفقد مصداقيته إن لم يُعد الاعتبار لدور المرأة الفلسطينية كشريك كامل في صناعة القرار، لا كحضور رمزي. وكذلك الحاجة إلى خطاب وطني جديد، يحافظ على الثوابت دون أن ينفصل عن تعقيدات الواقع وتحولاته.في العمق، لا تكمن المشكلة في تعدد الملفات، بل في غياب ترتيب الأولويات: استعادة الثقة أولًا، وحسم طبيعة الدور ثانيًا، وبناء أدوات الفعل ثالثًا. دون هذا التسلسل، تتحول كل القضايا إلى عناوين صحيحة… لكنها بلا أثر.كما أن نجاح المؤتمر لا يُقاس بما يُقرّه، بل بما يُنتجه من أمل. فالمجتمع الفلسطيني يعيش حالة إنهاك سياسي ونفسي عميقة، وأي خطاب لا يفتح أفقًا قابلًا للتصديق، يبقى عاجزًا عن إحداث التحول المطلوب.استنادًا إلى ذلك، يقف المؤتمر الثامن أمام مفترق حقيقي: إما أن يكون لحظة مراجعة جذرية تُعيد تعريف الدور، وتستعيد الثقة، وتفتح أفقًا وطنيًا جديدًا، أو يبقى محطة تنظيمية تُراكم قرارات في واقع يتآكل.وفي لحظة بهذه الحدة، لا يكفي أن تبقى حركة فتح حاضرة… بل أن تعود فاعلة، قادرة على توحيد الفلسطينيين حول مشروع وطني يمتلك الرؤية والمصداقية وأدوات التأثير.
المؤتمر الثامن بين الرهانات وأزمة الدور
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)