بدا جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة وكأنه يدخل مرحلة جديدة من الحرب، مرحلة لا تقاس فقط بعدد الغارات ولا بخريطة الاستهدافات الإسرائيلية، بل بطبيعة التكتيك الذي يعيد رسم الجغرافيا بالنار وبالفراغ السكاني.
وفي هذا الصدد، يشير الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني إلى تحول في نمط الحرب نفسه، إذ لا ينفذ الجيش الإسرائيلي مجرد غارات متفرقة، بل يخوض "اجتياحا جويا" لا يهدف إلى احتلال الأرض بقدر ما يسعى إلى تفريغها من الحياة.
ويقول جوني، في فقرة التحليل العسكري، إنه بهذا المعنى تتحول الإخلاءات الجماعية إلى أداة حرب بحد ذاتها. ليست مجرد تحذيرات، بل جزء من خطة ممنهجة، تبدأ بإنذار السكان، ثم تتبعه الضربات، وصولا إلى تدمير البنية الحياتية للقرى. والنتيجة: شريط واسع من المناطق الخالية، يمتد تدريجيا من جنوب نهر الليطاني نحو شماله، في ما يشبه التفافا ناريا يعيد رسم خطوط السيطرة دون دخول بري واسع.
اللافت في هذا التكتيك، كما يشرح الخبير العسكري، أنه ينطلق من عقدة عملياتية مركزية تتفرع منها الضربات باتجاهين: شرقا نحو البقاع الغربي، وغربا نحو الساحل، في مناورة جوية تدميرية متعددة المحاور، توحي بأن ما يجري ليس ردا ظرفيا، بل تنفيذا لخطة طويلة النفس.
في المقابل، لا يبدو أن حزب الله يسعى حاليا إلى توسيع دائرة الرد جغرافيا، إذ يشير التحليل إلى أنه وضع سقفا ميدانيا لتحركاته، يركز على استهداف القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية أو على خطوط التماس، مستخدما بشكل متزايد المسيّرات الانقضاضية كسلاح رئيسي.
هذه المسيّرات، التي وصفها الإسرائيليون بـ"المعضلة"، تحولت إلى عنصر إزعاج حقيقي، ليس فقط بسبب دقتها، بل لطبيعتها المفاجئة: صغيرة، سريعة، صامتة، وتعمل أحيانا بتقنيات الألياف الضوئية، ما يجعل رصدها أو اعتراضها مهمة بالغة التعقيد.
💬 التعليقات (0)