دمشق – لكل حضارة بداية، ومع كل بداية ثمة أثر يُقاوم النسيان؛ فمن أول خدش على حجر صامت، دوّن فيه الإنسان السوري دهشته الأولى بالعالم، إلى حروف نضجت عبر القرون لتصبح وعاء للمعرفة وذاكرة للشعوب، وهذا هو مسار الرحلة الآسرة عبر الزمن التي تنفتح أمامنا في المتحف الوطني بدمشق، كاشفةً كيف كانت سوريا إحدى أبرز مواطن الكتابة وصاحبة أولى الأبجديات الإنسانية.
هنا تُعرض اللقى الأثرية كشواهد حية تروي سيرة التحوّل: من نقوش حجرية بدائية ورُقُم طينية حملت أولى محاولات التدوين، إلى إرهاصات المدارس الأولى للكتابة، ومنها إلى لحظة انبثاق الأبجديات الكلاسيكية وتعاقب النقوش اليونانية والآرامية، وصولاً إلى الذروة الجمالية التي بلغها الخط العربي في ظل الحضارة الإسلامية.
ضمن هذا الأفق، يأتي معرض "من الرمز إلى الحرف" ليقدّم سردية بصرية متكاملة عن هذا الإرث؛ حيث تتجاور القطع الأثرية والنقوش التوثيقية لتشكّل خريطة شارحة لتطوّر الكتابة في سوريا، منذ عصور ما قبل التاريخ وإلى يومنا هذا.
ويقام المعرض بإشراف وزارة الثقافة السورية والمديرية العامة للآثار والمتاحف، ضمن فعاليات يوم التراث العالمي، احتفاءً بإرث ثقافي غني أسهم في صناعة التاريخ الإنساني.
في بداية المعرض على يمين الزائر، تطلّ أولى هذه التحف النادرة، وهي عبارة عن رسوم بدائية على حجر الكلوريت المصقول تعود إلى العصر الحجري الحديث، وقد نُقش عليها في المنتصف رجل يقف على دائرتين متحدتي المركز يقسمها بالمنتصف خط مستقيم. وتميز رسم الرجل بالرجلين الطويلتين والجذع القصير والرأس غير واضح المعالم، وإلى يمينه نُقشت أفعى، وإلى يساره ثلاثة نقوش على شكل زوايا تدلّ على قرون ثور. وتبدو هذه التحفة أقرب إلى تعويذة أو معتقد ديني كان سائداً آنذاك.
تليها مجموعة من الرقم الطينية والفخارية الاقتصادية والدينية التي تغطي فترات ما قبل التاريخ، ثم مجموعة من التماثيل والرقم الحجرية التي تعود لحضارات آرام وكنعان وتدمر، لتسلّمك لاحقاً إلى أولى استعمالات الورق في سوريا؛ حيث يبرز مخطوط سرياني أثري يعود للقرن الخامس الميلادي ويتضمَّن نصائح للإنسان الراهب.
💬 التعليقات (0)