أمد/ مقدمة: حين يتحول التنظير الأكاديمي إلى إبادة ممنهجة ضد الفلسطينيين،حيث تقدم أطروحة مارتن فان-كرفيلد، أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ في الجامعة العبرية وأحد أبرز المنظرين الإسرائيليين في الاستراتيجية العسكرية، نموذجاً صادماً للكيفية التي يتحول بها الفكر الأكاديمي إلى تبرير للإبادة الجماعية. تصريحاته، التي سنحللها في هذا المقال، لا تمثل مجرد آراء شخصية متطرفة، بل تشكل صياغة نظرية متماسكة لما يمكن تسميته بـ"استراتيجية التوحش"، وهي استراتيجية تستند إلى مبادئ محددة في استخدام القوة المفرطة والعقاب الجماعي والفصل العنصري، وتكشف عن المنطق العميق الذي يحكم سلوك دولة الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني. يهدف هذا المقال إلى تفكيك الأسس النظرية لهذه الاستراتيجية كما صاغها (فان-كرفيلد)، وتحليل تجلياتها الميدانية، ونقد جذورها الفكرية والأخلاقية، واستشراف نتائجها الاستراتيجية على النحو التالي: أولاً: تفكيك أطروحة فان-كرفيلد – العناصر المكونة لاستراتيجية التوحش يمكن تفكيك تصريحات فان-كرفيلد إلى أربعة عناصر استراتيجية متكاملة تشكل معاً بنية نظرية محكمة لاستراتيجية الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس المحتلة. أ. مبدأ "المطرقة الكبيرة" أو الردع عبر الوحشية الدورية يؤسس فان-كرفيلد لمبدأ مركزي في العقيدة العسكرية الإسرائيلية حين يقول، "على مدار سنوات طويلة دبرنا أمورنا مع العرب خارج دولة إسرائيل؛ فكل عشر سنوات قاموا بافتعال مشكلة ما كنا نأخذ مطرقتنا الكبيرة ونضربهم بعنف، مما أحدث بعد ذلك عشر سنوات من الهدوء، حتى إنهم في النهاية يئسوا من الأمر". هذا التصريح يختزل فلسفة "الردع الإسرائيلي" في معادلة بسيطة، استخدام القوة المفرطة غير المتناسبة بشكل دوري لإخضاع الخصم وإيصاله إلى حالة من اليأس التام. إنه ليس ردعاً دفاعياً بالمعنى التقليدي، بل هو عقاب جماعي استباقي يهدف إلى كسر إرادة المقاومة عبر إيقاع (أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية والمادية)، بحيث تصبح تكلفة المواجهة بالنسبة للطرف الآخر باهظة إلى درجة الاستحالة. هذه الفلسفة تتجاوز منطق "الردع بالعقاب" الذي تحدث عنه المنظرون التقليديون، لتصل إلى ما يمكن تسميته "الردع بالإرهاب"، حيث تتحول المجازر الدورية (حرب الابادة)إلى رسائل دموية تهدف إلى بث الرعب في النفوس لا مجرد التأثير على الحسابات العقلانية. ب. مبدأ الفصل العنصري المطلق – نموذج سور برلين في المانيا. العنصر الثاني في الأطروحة هو الدعوة الصريحة إلى "نظام فصل عنصري" كامل ومحكم. يقول فان-كرفيلد، "لا بد من فصل تام بيننا وبين (الفلسطينيين)، لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية. فصل مطلق على مدار جيل أو جيلين، أو وفقاً لما يحتاجه الأمر؛ نتحدث عن بناء سور ،كسور برلين، بل وإن كان بالإمكان فليكن أكبر، وعالياً جداً حتى إن الطيور لا يمكنها أن تطير من فوقه". يعترف فان-كرفيلد هنا بأن إسرائيل لا تسعى إلى حل سياسي مع الفلسطينيين، بل إلى عزلة شاملة تشبه السجون الكبرى. إن استدعاء نموذج سور برلين ليس بريئاً، فهو يحمل دلالات تاريخية عميقة تربط بين المشروع الاستيطاني الصهيوني وأنظمة القمع الشمولية، ويكشف أن الهدف النهائي ليس الأمن فحسب، بل الإلغاء الكامل للوجود الفلسطيني كعامل مؤثر في المعادلة الجيوسياسية. هذه الرؤية تتجاوز حتى منطق "الحل الأحادي الجانب" الذي تبنته حكومات إسرائيلية سابقة، لتصل إلى تصور يقوم على الإغلاق المحكم والقطيعة الحضارية الشاملة مع محيط جغرافي يُراد تحويله إلى سجن كبير خاص بالفلسطينيين. ج. مبدأ المواجهة المباشرة والقرب الجسدي من الضحية يدعو فان-كرفيلد إلى استخدام المدفعية بدلاً من الطيران، معللاً ذلك بقوله ، "أنا في مثل هذه الحالة سأستعمل المدفعية وليس الطيران، لأنني أريد أن أنظر إليهم في عيونهم". هذا العنصر يكشف بعداً (سيكولوجياً) عميقاً في عقلية المحتل؛ فالأمر لا يتعلق فقط بتحقيق أهداف عسكرية، بل بممارسة "السادية المباشرة"، حيث تصبح رؤية معاناة الضحية عن قرب جزءاً من عملية الردع. إنها استراتيجية لا تكتفي بالقتل عن بعد، بل تسعى إلى جعل الموت شخصياً وحميمياً، لتعزيز الرعب النفسي. هذا البعد السيكولوجي يتجاوز الحسابات العسكرية المجردة ليكشف عن بنية نفسية مرضية تقوم على التلذذ بالعنف والقرب الجسدي من الضحية، وهو ما يعيد إلى الأذهان ممارسات التعذيب الممنهج التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات الإسرائيلية وجرائم الإبادة في قطاع غزة. د. مبدأ "الفعل المطلق" أو استراتيجية "الجريمة الواحدة الكبرى" لعل أخطر عناصر الأطروحة هو الدعوة إلى ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية الجريمة الواحدة الكبرى". يقول فان-كرفيلد ، "لا فائدة من هذه الحملة إن لم تبرهن بأعمالك أنك يمكن أن تعمل كل شيء، علينا أن نضربهم بقسوة، بكل ما بوسعنا حتى لا نعود إلى ذلك، وحتى لا يهاجموننا من الخلف عند خروجنا، نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية". ثم يضيف العبارة الأكثر ترويعاً ، "يمكن أن نقتل منهم 5000 أو 10000، وإن لم يكن هذا كافياً، عندها علينا أن نقتل أكثر. من الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا"؛ هذا التصريح المروع يقدم صياغة نظرية للإبادة الجماعية كخيار استراتيجي عقلاني محسوب. ففان-كرفيلد لا يدعو إلى التدمير العشوائي غير المنضبط، بل إلى تدمير شامل ومدروس ومكثف زمنياً، يهدف إلى إنهاء المقاومة بشكل نهائي عبر صدمة عنف لا يمكن تصورها. إنها استراتيجية "الصدمة والرعب" بنسختها الأكثر تطرفاً، حيث تتحول الإبادة إلى وسيلة لإغلاق الملف بدلاً من مجرد وسيلة للردع. ثانياً: التجليات الميدانية – من النظرية إلى التطبيق المرعب في أطروحة فان-كرفيلد أنها لا تمثل تنظيراً معزولاً، بل تعكس وتبرر ممارسات إسرائيلية متجذرة ومستمرة. يمكن تتبع تجليات هذه الاستراتيجية بوضوح في الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتعاقبة ضد قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة. لقد تجسد مبدأ "المطرقة الكبيرة" في العمليات العسكرية الإسرائيلية الكبرى التي تتكرر كل بضع سنوات ضد قطاع غزة منها، عملية الرصاص المصبوب (2008-2009)، وعملية عامود السحاب (2012)، وعملية الجرف الصامد (2014)، وعملية حارس الأسوار (2021)، وصولاً إلى حرب الإبادة الحالية التي بدأت في أكتوبر 2023 واستمرت عامين إلى أكتوبر 2025. كل جولة من هذه الجولات كانت تهدف، بتعبير فان-كرفيلد، إلى "ضرب الفلسطينيين بقسوة، بكل ما بوسعنا" لإحداث "سنوات من الهدوء". وقد بلغت استراتيجية "الجريمة الواحدة الكبرى" ذروتها في حرب الإبادة الحالية على غزة من اكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025، التي تجاوزت كل الحروب السابقة من حيث حجم الدمار وعدد الضحايا المدنيين واستهداف البنية التحتية المدنية بشكل ممنهج، حيث تم تدمير أحياء سكنية بأكملها، وقصف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين،قتل أكثر من 72 الف مدني اغلبهم من الاطفال والنساء، وتحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة فعلياً. إن ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو تطبيق حرفي لأطروحة فان-كرفيلد ،"جريمة واحدة وثقيلة" تهدف إلى إنهاء المقاومة أو على الأقل إخضاعها لصدمة لا تتعافى منها. أما مبدأ الفصل العنصري المطلق، فيتجسد في الجدار العازل الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية عام 2002، وهو جدار يمتد لمئات الكيلومترات ويقتطع مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية ويحول القرى والمدن الفلسطينية إلى كانتونات معزولة. كما يتجسد في الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، والذي حول القطاع، بتعبير المنظمات الحقوقية، إلى "سجن مفتوح" أو بالأحرى إلى "سجن كبير" يتحكم الاحتلال بكل تفاصيل الحياة فيه، من يدخل ومن يخرج، وماذا يدخل من غذاء ودواء ومواد بناء، وكمية الكهرباء والمياه، بل وحتى كميات السعرات الحرارية التي تصل إلى السكان، وفقاً لوثائق مسربة عن سياسة "تقييد السعرات" التي اتبعها الجيش الإسرائيلي في حصاره. كما يتجسد الفصل العنصري في منظومة القوانين العنصرية التي تكرس التمييز بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث يخضع الفلسطينيون (للقانون العسكري)، بينما يخضع المستوطنون للقانون المدني الإسرائيلي. وفي قانون "القومية" لعام 2018، الذي كرس الطابع اليهودي للدولة ونزع عن الفلسطينيين أي حق في تقرير المصير داخل وطنهم التاريخي، وجعل من العربية لغة بلا مكانة رسمية بعد أن كانت لغة رسمية. إن كل هذه الإجراءات تجسد الدعوة إلى "فصل تام، لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية". ثالثاً: الجذور الفكرية لاستراتيجية التوحش – مسار تاريخي طويل لفهم لماذا يتبنى أكاديمي مرموق في مؤسسة أكاديمية عريقة مثل هذه الأطروحات المتطرفة، يجب النظر إلى موقع /مارتن فان-كرفيلد الفريد، وإلى المسار التاريخي الطويل للفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الذي يختزل فان-كرفيلد أبرز معالمه. ففان-كرفيلد ليس مجرد أكاديمي، بل هو منظر عسكري له تأثير واسع في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والغربية، وكتاباته في الاستراتيجية والتاريخ العسكري تُدرس في الكليات العسكرية حول العالم. وهو يحمل رتبة عقيد احتياط في الجيش الإسرائيلي، وقد خدم في وحدة الاستخبارات العسكرية، مما يجعله حلقة وصل عضوية بين الفكر الأكاديمي والتطبيق الميداني. أطروحته لا تنشأ في فراغ، بل تستند إلى تاريخ طويل من الفكر الاستراتيجي الصهيوني المتوحش، والإسرائيلي الذي نظر لاستخدام القوة المفرطة كأداة شرعية وضرورية في التعامل مع "الآخر" العربي والفلسطيني وتتجلى جذورة الفكريّة المتوحشة في الاعتماد على الأفكار السابقة لقادة الحركة الصهيونية ومنهم التالي: 1. عقيدة "الجدار الحديدي" (1923)، صاغ زئيف جابوتنسكي، مؤسس التيار الصهيوني التصحيحي والأب الروحي لحزب الليكود الحاكم، رؤيته الاستراتيجية الشهيرة في مقال "على الجدار الحديدي" عام 1923. جادل جابوتنسكي بأن العرب، كشعب أصلي، لن يقبلوا طوعاً بوجود كيان استيطاني صهيوني على أرض فلسطين، وأن أي أمل في تعايش طوعي هو وهم. بالتالي، فإن السبيل الوحيد لتحقيق المشروع الصهيوني هو بناء "جدار حديدي" من القوة العسكرية التي لا تُقهر، تجبر العرب على القبول بالأمر الواقع بعد أن ييأسوا تماماً من إمكانية التخلص من المشروع الصهيوني. يقول جابوتنسكي في نصه المؤسس: "لا يمكن التوصل إلى اتفاق مع عرب فلسطين إلا بعد أن يصبحوا مقتنعين بأنه من المستحيل التخلص من اليهود... أي بعد أن يصطدموا بالجدار الحديدي". هذه العقيدة مثلت قطيعة مع الخطاب الصهيوني الليبرالي الذي كان يزعم إمكانية التعايش والتعاون، وأسست بشكل صريح لمبدأ أن القوة وحدها، وليس التفاوض أو الإقناع، هي التي تحسم الصراع. فكرة أن العرب "سييأسون في النهاية" التي يكررها فان-كرفيلد بعد قرن كامل،هي صدى مباشر لأطروحة جابوتنسكي، الذي يؤمن بها ونفذها، رئيس حكومة دولة الاحتلال الاسرائيلي نتنياهو طوال فترة رئاسته على مدار 15 عام. 2. عقيدة "النار والقوة" ومبدأ "الردع التراكمي". بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 بناءا على قرار التقسم رقم 181 الصادر عن الامم المتحدة والذي ينص على إقامة دولتين ،الدولة الفلسطينية ويجانبها دولة الاحتلال الاسرائيلي، تبنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مبدأ "الردع التراكمي" الذي يقوم على فكرة أن تراكم الخسائر العربية الفادحة عبر الحروب المتتالية (1948، 1956، 1967، 1973) سيؤدي في النهاية إلى إدراك العرب لاستحالة هزيمة إسرائيل، وبالتالي إلى قبولهم بالأمر الواقع. وقد عبر عن هذه الفلسفة بوضوح موشيه دايان، أحد أبرز القادة العسكريين الإسرائيليين، حين قال في تأبين أحد الجنود عام 1956: "لقد كان مصير جيل كامل من شبابنا أن يمسك بيد المحراث وباليد الأخرى السيف... نحن جيل المستوطنين، وبدون الخوذة الفولاذية وفوهة المدفع لن نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت". هذه الثنائية بين الاستيطان والعنف، بين زرع الأشجار وتوجيه المدافع، تشكل العمود الفقري للعقيدة العسكرية والسياسية الإسرائيلية حتى اليوم ولكن عملية السابع من اكتوبر2023 حطمت هذه الفلسفة. 3. عقيدة "تطهير المنطقة" في اجتياح لبنان 1982 ،خلال اجتياح اسرائيل لبنان عام 1982، تبنى أرئيل شارون، وزير الدفاع آنذاك، استراتيجية تقوم على تدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية بالكامل، وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين لتجفيف منابع الدعم الشعبي للمقاومة. وقد أسفرت هذه الاستراتيجية عن مجازر مروعة، أبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها الميليشيات اللبنانية المتحالفة مع إسرائيل تحت مراقبة الجيش الإسرائيلي الذي كان يتحكم بالمنطقة ويوفر الغطاء والإضاءة الليلية. هذه المجزرة عبرت بوضوح عن منطق "الجريمة الواحدة الثقيلة" الذي تحدث عنه فان-كرفيلد لاحقاً. وقد علق المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس على هذه العقلية بقوله إن "الدولة اليهودية قامت على أنقاض القرى العربية المدمرة"، معترفاً بأن التطهير العرقي والتدمير الممنهج كانا جزءاً أصيلاً من المشروع الصهيوني لا مجرد نتيجة عرضية للحرب. فان-كرفيلد لا يبتكر شيئاً جديداً بقدر ما يمنح هذه الممارسة التاريخية صياغة نظرية أكاديمية. 4. "عقيدة الضاحية" (2006) ،صاغ الجنرال غادي أيزنكوت، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي، ما عُرف بـ"عقيدة الضاحية" خلال حرب لبنان الثانية عام 2006. تنص هذه العقيدة على أن إسرائيل، في أي مواجهة مستقبلية، ستستخدم "قوة غير متناسبة" وستستهدف البنية التحتية المدنية بشكل ممنهج، وستحول قرى وبلدات ومناطق واسعة إلى أنقاض، كما فعلت في ضاحية بيروت الجنوبية. يقول أيزنكوت بوضوح "ما حدث في حي الضاحية في بيروت عام 2006 سيحدث في كل قرية يطلق منها النار على إسرائيل... سنستخدم قوة غير متناسبة ضدها ونتسبب بدمار وأضرار هائلة. من وجهة نظرنا، هذه ليست قرى مدنية بل قواعد عسكرية". هذه العقيدة، التي أصبحت جزءاً من العقيدة القتالية الرسمية للجيش الإسرائيلي والمعروفة بعقيدة "النصر الحاسم"، تمثل تقنيناً مؤسسياً رسمياً لمنطق التوحش والعقاب الجماعي، وتحويلاً للبنية التحتية المدنية بأكملها – منازل، مدارس، مستشفيات، شبكات مياه وكهرباء ،إلى هدف عسكري مشروع. فان-كرفيلد، في تصريحاته، لا يفعل أكثر من تقديم صياغة نظرية أكثر صراحة ووضوحاً لهذه العقلية العسكرية القائمة والمعمول بها فعلياً. 5. الخطاب الديني الاستيطاني المعاصر، في العقود الأخيرة، تداخل الفكر الاستراتيجي العسكري مع خطاب ديني يهودي متطرف يمنح الاحتلال والاستيطان والعنف شرعية لاهوتية. فتيارات دينية نافذة في إسرائيل، مثل تيار "غوش إيمونيم" (كتلة المؤمنين) وأتباع الحاخام أبراهام كوك وتلامذته، تنظر إلى الفلسطينيين ليس كخصوم سياسيين أو عسكريين، بل كعائق أمام تحقيق المشيئة الإلهية وتنفيذ الوعد التوراتي، مما يضفي على العنف ضدهم بعداً دينياً "مقدساً". في هذا السياق، تأتي تصريحات الحاخام عوفاديا يوسف، الزعيم الروحي لحزب شاس، الذي قال عن الفلسطينيين، "أتمنى أن يبادوا، إنهم أفعى سامه"، أو تصريحات الحاخام دوف ليئور، حاخام مستوطنة كريات أربع، الذي أجاز في فتوى دينية قتل المدنيين الفلسطينيين (حتى الأطفال الرضع منهم)، لأنهم "سيكبرون ليصبحوا إرهابيين ويشكلون خطراً على إسرائيل". هذه التصريحات تكشف عن التداخل العميق بين الفكر الاستراتيجي والفكر الديني في إضفاء الشرعية على استراتيجية التوحش، حيث يغذي كل منهما الآخر في حلقة مفرغة من التطرف والعنف. فان-كرفيلد يمثل، في هذا السياق، التتويج الأكاديمي لمسار فكري طويل ومعقد. إنه يمنح (استراتيجية التوحش) شرعية أكاديمية عبر صياغتها بلغة نظرية باردة تبدو "عقلانية" و"محسوبة" و"واقعية"، متخفياً وراء عباءة البحث الأكاديمي والتحليل الاستراتيجي الموضوعي. إن خطورته الحقيقية تنبع تحديداً من هذه القدرة على تقديم الإبادة الجماعية والفصل العنصري كخيارات "منطقية" و"ضرورية" في إطار حسابات التكلفة والفائدة والعقلانية الاستراتيجية، متجاوزاً بذلك حتى الخطاب الديني الذي يحتفظ على الأقل بصراحة المعايير الأخلاقية التي يستند إليها وإن كانت منحرفة. فان-كرفيلد لا يقول "اقتلوهم لأن الله أمر بذلك"، بل يقول "اقتلوهم لأن هذا هو الحل العقلاني الوحيد للمشكلة"، وهذه العقلانية المزعومة هي الأخطر على الإطلاق. رابعاً: النقد الأخلاقي والقانوني – استراتيجية التوحش في مواجهة القانون الدولي تشكل أطروحة فان-كرفيلد انتهاكاً صارخاً ومباشراً لكامل بنية القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان،واتفاقيات جنيف الأربعة وقواعد القانون الدولي العام وقوانين الحرب. فالدعوة الصريحة إلى القتل الجماعي، وتحديد أعداد للقتل (5000 أو 10000 أو أكثر)، تقع مباشرة ضمن تعريف جريمة الإبادة الجماعية كما حددته اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، التي تعرف الإبادة بأنها "أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة وطنية أو إثنية أو عنصرية أو دينية: (أ) قتل أعضاء الجماعة، (ب) إلحاق أذى جسدي أو عقلي جسيم بأعضاء الجماعة، (ج) إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً...". كما أن مبدأ "الجريمة الواحدة الثقيلة" الذي يدعو إليه، فان-كرفيلد، ينتهك بشكل صريح وصارخ (مبدأ التناسب)، في القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر الهجمات التي يتوقع أن تسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. فقتل آلاف المدنيين وتدمير أحياء سكنية بأكملها لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة عسكرية. والمبدأ نفسه ينتهك أيضاً مبدأ التمييز الذي يفرض التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. والأخطر من ذلك أن تصريحات فان-كرفيلد تكشف بوضوح عن "النية المبيتة" أو "القصد الخاص" المطلوبين لإثبات جريمة الإبادة الجماعية. فعندما يقول بوضوح إن الهدف هو "إخراجهم من المعادلة" عبر إحداث صدمة عنف لا يمكن تصورها، وإنه "من الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا"، فهو يقدم دليلاً صريحاً على القصد الخاص المطلوب لإدانة الإبادة. هذا القصد الخاص هو الذي شكل تقليدياً العقبة الأساسية في العديد من قضايا الإبادة أمام المحاكم الدولية؛ لكن تصريحات فان-كرفيلد تزيح هذه العقبة عبر اعترافها الصريح بالقصد وتصبح دليل قانوني للإدانة من طرف المحكمة. أما الدعوة إلى الفصل العنصري، وتحديداً الدعوة إلى بناء "سور كسور برلين" و"فصل تام" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فتمثل انتهاكاً للقاعدة الآمرة التي تحظر الفصل العنصري في القانون الدولي. فقد حددت الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1973 الفصل العنصري كجريمة ضد الإنسانية. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنف الفصل العنصري كأحد الأفعال التي تشكل جريمة ضد الإنسانية، ويعرفه بأنه "أفعال لا إنسانية ترتكب في سياق نظام مؤسسي قائم على القهر والهيمنة المنهجية من جانب جماعة عنصرية إزاء جماعة عنصرية أخرى أو أكثر، وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام". فالفصل العنصري ليس مجرد نظام تمييز أو تفرقة، بل هو جريمة دولية تستوجب الملاحقة الجنائية الفردية لمن يخططون له وينفذونه. خامساً: العواقب الاستراتيجية – لماذا تفشل استراتيجية التوحش. بعيداً عن الإدانة الأخلاقية والقانونية، التي قد لا تعني لمن يتبنون هذه العقلية المتوحشة شيئاً، يكشف التحليل الاستراتيجي الموضوعي أن استراتيجية التوحش، رغم وحشيتها المفرطة، لا تحقق أهدافها الاستراتيجية المعلنة. بل على العكس تماماً، فهي تولد ديناميكيات تفضي إلى نتائج عكسية تعمق المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي بدلاً من حله لعدة أسباب منها: 1. استراتيجية التوحش تنتج المقاومة لا تنهيها: تفترض استراتيجية التوحش، كما صاغها، فان-كرفيلد، أن العنف المفرط سيؤدي إلى "يأس" الخصم واستسلامه في نهاية المطاف. لكن التجربة الفلسطينية تثبت العكس بشكل قاطع؛ فكل جولة من جولات العنف الإسرائيلي المفرط، وكل مجزرة، وكل تدمير ممنهج، أنتجت موجات جديدة من المقاومة، وأجيالاً جديدة من المقاتلين الذين يحملون ذاكرة المذابح والتدمير، ويسعون إلى الثأر واستعادة الكرامة. إن استراتيجية التوحش تحول كل طفل فلسطيني ناجٍ من القصف إلى مقاوم محتمل في المستقبل، وكل أسرة فقدت أحباءها إلى حاضنة للمقاومة. إنها ديناميكية "الفعل ورد الفعل" التي تغذي نفسها باستمرار في حلقة جهنمية لا تنتهي؛ تدمير غزة اليوم لا ينهي المشكلة، بل يؤجلها وينتج نسختها الأكثر تطرفاً في الغد القريب والبعيد . 2. تآكل الشرعية الدولية لإسرائيل، كل جولة من جولات التوحش الإسرائيلي تؤدي إلى تآكل متزايد ومتسارع في شرعية إسرائيل الدولية. فصور الدمار الممنهج والقتل الجماعي للمدنيين، التي تنقلها وسائل الإعلام التقليدية ووسائط التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق في تاريخ الحروب، تحول الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، وتولد تضامناً عالمياً متصاعداً وغير مسبوق مع القضية الفلسطينية. هذا التضامن يترجم إلى إجراءات قانونية وسياسية واقتصادية ملموسة، إجراءات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، ومذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة إسرائيليين منهم نتنياهو وغالانت، واعترافات متزايدة بدولة فلسطين من دول أوروبية، وحملات مقاطعة اقتصادية وأكاديمية متصاعدة، وعزلة دبلوماسية متنامية. إن إسرائيل، بتبنيها (استراتيجية التوحش)، تخسر المعركة في الرأي العام العالمي بشكل كارثي، وهذه خسارة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي خسارة عسكرية. 3. استنزاف إسرائيل اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً ومعنوياً، (استراتيجية التوحش) ليست مجرد جريمة أخلاقية، بل هي أيضاً استنزاف هائل لإسرائيل على كافة المستويات. فالحروب المتكررة والعمليات العسكرية الواسعة تكلف خزينة الدولة مليارات الدولارات، وتثقل الاقتصاد الإسرائيلي بأعباء هائلة. كما أن حالة التعبئة الدائمة تستنزف الجيش وتؤثر على جاهزيته، وتعمق الانقسامات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي بين تيارات متطرفة تريد المزيد من العنف، وتيارات تدرك عبثية هذا المسار. والأهم من ذلك، أن تحويل إسرائيل إلى "دولة حامية" أو "قلعة محاصرة" تعيش خلف الجدران وفي حالة حرب دائمة، يتناقض بشكل جوهري مع طموحات النخب الاقتصادية الإسرائيلية في تحويل إسرائيل إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي مندمج في المنطقة. إسرائيل "الأمة الناشئة" التي تحلم بها هذه النخب لا يمكن أن تتعايش مع إسرائيل "المطرقة الكبيرة" التي يبشر بها المنظرون العسكريون، هناك تناقض بنيوي غير قابل للحل بين المشروعين. 4. زيف "الهدوء" الذي تعد به الاستراتيجية، بعد "سنوات الهدوء" التي يتحدث عنها ،فان-كرفيلد ، ليست هدوءاً حقيقياً ولا سلاماً ولا استقراراً. إنها ليست سوى فترات إعادة تموضع وتنظيم وتطوير للقدرات من جانب المقاومة. الهدوء الظاهري الذي يعقب كل جولة من جولات العنف ليس أكثر من هدوء ما قبل العاصفة التالية، حيث يتم خلاله العمل بصمت،بناء الأنفاق، وتطوير الصواريخ، وتدريب المقاتلين، وتحصين الجبهة الداخلية، وإعداد الخطط القتالية، وبناء التحالفات الإقليمية، استعداداً للجولة التالية التي ستكون بالضرورة أكثر ضراوة من سابقتها. إنها دورة عنف عبثية لا نهائية لا يمكن كسرها بالمزيد من العنف، بل تحتاج إلى مقاربة مختلفة تماماً تقوم على إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة والتوصل إلى اتفاق سياسي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة. سادساً: البعد النفسي – حين يصبح الأكاديمي مهندس إبادة تمثل شخصية (فان-كرفيلد)، نموذجاً كلاسيكياً لما أسماه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي "المثقف العضوي"، ذلك المثقف المتوحش الذي يضع كفاءته الفكرية ومعرفته المتخصصة في خدمة مشروع الهيمنة والإبادة، ويمنح هذا المشروع غطاءً فكرياً وأكاديمياً. لكن ما يثير القلق والاشمئزاز بشكل خاص هو البعد السيكولوجي الذي يتجلى بوضوح في تصريحات فان-كرفيلد، الرغبة المعلنة في "النظر في عيون" الضحايا عند قتلهم، والتباهي باستخدام "المطرقة الكبيرة"، واللغة التي تكاد تكون جنسية في وصف ممارسة القوة المفرطة ("نضربهم بعنف... بكل ما بوسعنا"). هذه اللغة المكشوفة تكشف عن بنية نفسية سادية تتجاوز الحسابات العقلانية الباردة لتصل إلى منطقة التلذذ المرضي بالعنف وبالسيطرة المطلقة على الآخر وتحويله إلى موضوع للإذلال والسحق. إنها العقلية الاستعمارية الكلاسيكية التي حللها فرانز فانون، الطبيب النفسي والفيلسوف الثوري، في كتابه الشهير "معذبو الأرض". فقد لاحظ فانون أن العنف في السياق الاستعماري ليس مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية، بل يتحول إلى غاية في حد ذاته بالنسبة للمستعمر. إن العنف الاستعماري يؤكد تفوق المستعمر ويعيد إنتاج ذاته المشوهة عبر إذلال الآخر وسحقه وتجريده من إنسانيته. فالمستعمر لا يكتفي بهزيمة "الوطني" أو المقاوم، بل يحتاج إلى تدميره نفسياً ومعنوياً، وإلى تحويله إلى "شيء" يمكن التحكم به وتدميره دون أي تأنيب ضمير. إن دعوة فان-كرفيلد إلى "النظر في عيونهم" عند قصفهم هي تعبير صادم عن هذه الحاجة السيكولوجية العميقة إلى رؤية مفعول القوة المطلقة في جسد الضحية وروحها، وإلى تأكيد الذات عبر الإذلال المطلق للآخر. إنها عقلية الجلاد الذي يحتاج إلى أن يشهد ألم ضحيته عن قرب ليكتمل شعوره بالقدرة المطلقة. خاتمة: في مواجهة استراتيجية التوحش – نحو استراتيجية مضادة في مواجهة استراتيجية التوحش الإسرائيلية، التي صاغها فان-كرفيلد بصراحة مخيفة وطبقتها آلة الحرب الإسرائيلية بوحشية غير مسبوقة في غزة والضفة الغربية ولبنان وايران، لا يكفي الإدانة الأخلاقية أو الاستنكار الدبلوماسي الروتيني، بل المطلوب هو بناء استراتيجية مضادة متعددة الأبعاد، واقعية وقابلة للتنفيذ، تجمع بين عدة مسارات متكاملة منها الآتي: 1- التعزيز القانوني والمحاسبة الدولية: يجب متابعة وتكثيف الملاحقات القضائية الدولية ضد مرتكبي جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، وتوثيق الجرائم بشكل ممنهج ودقيق، ودعم الإجراءات القائمة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. ويجب أن تشمل هذه الملاحقات ليس فقط المنفذين المباشرين، بل أيضاً المنظرين والمحرضين على الإبادة مثل المتوحش/ فان-كرفيلد، لأن التحريض على الإبادة جريمة قائمة بذاتها في القانون الدولي. 2- دعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة: للشعب الفلسطيني حق أصيل في مقاومة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي والقمع بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي، بما في ذلك المقاومة المسلحة. هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يمكن مصادرته تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب". إن دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم فلسطين،وتعزيز قدرتهم على البقاء والتطور تحت ظروف الاحتلال والحصار هو ركيزة أساسية لأي استراتيجية مضادة. 3- الضغط الاقتصادي والسياسي وتوسيع حركة المقاطعة: يجب توسيع وتعميق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) لتشمل ليس فقط إسرائيل، بل كل الشركات والمؤسسات الدولية المتواطئة مع منظومة الاحتلال والفصل العنصري. ويجب العمل على قطع العلاقات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية مع منظومة الاحتلال، وصولاً إلى عزلها دولياً كما عُزل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا،وثم انهار في نهاية المطاف. 4-الاستراتيجية الإعلامية والروائية وكسر احتكار الرواية: يجب العمل على كسر احتكار الرواية الصهيونية التي تقدم إسرائيل كضحية وتصور الفلسطينيين كمعتدين. المطلوب هو إنتاج مضامين إعلامية وأكاديمية وفنية وثقافية تفضح حقيقة المشروع الاستيطاني الإحلالي واستراتيجية التوحش التي ينتهجها، وتقدم الرواية الفلسطينية للعالم بكل تعقيداتها الإنسانية، وتعيد تعريف مصطلحات الصراع بما يخدم العدالة لا الاحتلال. 5- الوعي بطول النفس الاستراتيجي: يجب إدراك أن الصراع مع مشروع استيطاني إحلالي مدعوم من أكبر قوى العالم هو صراع طويل النفس، يتطلب مراكمة الإنجازات الجزئية، والصبر الاستراتيجي، والانتقال من ردود الفعل إلى الفعل، ومن الدفاع إلى المبادرة، ومن رد الفعل على المذابح إلى بناء استراتيجية شاملة لإنهاء الاحتلال. إن أخطر ما في أطروحة المتوحش/ فان-كرفيلد، في نهاية التحليل، ليس مجرد وحشيتها الصادمة، بل عقلانيتها المزعومة التي تقدم الإبادة الجماعية والفصل العنصري كسياسات محسوبة ومبررة استراتيجياً. هذه العقلانية الملتوية والخطيرة هي التي تمنح الغطاء الفكري والأكاديمي لآلة القتل والتدمير، وتحول العمل الأكاديمي من فضاء للبحث عن الحقيقة والمعرفة إلى ورشة لإنتاج أدوات التدمير وتبريرها. إن مواجهة هذه العقلانية لا تقتضي فقط فضح وحشيتها الأخلاقية، بل وأيضاً تفكيك دعواها العقلانية التي تقدم نفسها كواقعية، وكشف العبث الاستراتيجي الكامن في قلبها، والبرهنة على أن (الإبادة)، ليست فقط جريمة أخلاقية كبرى، بل هي أيضاً حماقة استراتيجية لا يمكن أن تقود إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار والعنف والمعاناة للجميع ،للفلسطينيين ضحاياها المباشرين أولاً وقبل كل شيء، وللإسرائيليين الذين تحولهم هذه الاستراتيجية إلى جلادين دائمين محرومين من السلام والأمان الحقيقيين، وللشرعية الدولية التي تفتتها هذه الممارسات، وللإنسانية جمعاء التي تهدد هذه العقلية أسسها الأخلاقية والحضارية. اخيراً،إن الطريق الوحيد للخروج من هذه العقيدة الصهيونية الاسرائيلية الجهنمية المتوحشة ،هو طريق العدالة وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وليس طريق المزيد من "المطارق الكبيرة" و"الجدران العالية" و"الجريمة الواحدة الثقيلة".
مصدر إسرائيلي لـ رويترز: لسنا على علم باقتراب توصل ترماب لاتفاق مع إيران
اليوم 69..حرب إيران: تطورات مفاجئة مع سحب ترامب مشروع الحرية وتقدم المفاوضات
سلام: لا تطبيع مع إسرائيل ولبنان يتمسك بـ"السلام" المشروط بجدول زمني للانسحاب
الخارجية الإيرانية: ندرس المقترح الأميركي.. وسنسلم ردنا لباكستان بعد استكمال المراجعة
مصادر باكستانية: تقدم في مفاوضات واشنطن وطهران نحو اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب
💬 التعليقات (0)