لا تقف دراسة "الذكاء الاصطناعي وتحولات الحرب المعاصرة: غزة نموذجًا" للباحثين محمد عباس ورنا صباح، المنشورة في مجلة "لباب" التابعة لمركز الجزيرة للدراسات، عند حدود الحديث النظري عن الذكاء الاصطناعي، بل تنطلق مباشرة من الحرب على غزة بوصفها لحظة كاشفة لتحول نوعي في إدارة العمليات العسكرية. فالدراسة ترى أن ما جرى لم يكن مجرد استخدام متطور للتكنولوجيا، وإنما انتقال إلى نمط جديد تُصبح فيه الخوارزمية جزءًا من صناعة القرار العسكري نفسه.
وتتوقف الدراسة عند أنظمة الذكاء الاصطناعي التي استُخدمت في إدارة بنك الأهداف، حيث جرى الاعتماد على تحليل كميات ضخمة من البيانات من أجل تحديد الأشخاص والمباني والمواقع التي تُصنف باعتبارها أهدافًا محتملة. وتلفت إلى أن بعض التقارير الإسرائيلية تحدثت عن أنظمة قادرة على إنتاج أعداد هائلة من الأهداف خلال وقت قصير، بما يتجاوز القدرة البشرية التقليدية على التحليل والمتابعة.
هنا لا يعود العنصر الحاسم هو الرؤية المباشرة أو التقدير الميداني وحده، بل قدرة النظام على الربط بين الاتصالات والتحركات وأنماط النشاط المختلفة، بما يسمح بتحويل السلوك اليومي إلى مادة للتحليل العسكري. وتعتبر الدراسة أن هذه النقلة تمثل تحولًا خطيرًا، لأن الإنسان يتحول تدريجيًا من كونه فردًا إلى "نمط بيانات" قابل للتصنيف والاستهداف.
من أكثر الجوانب التي تركز عليها الدراسة أن الحرب على غزة كشفت عن تسارع غير مسبوق في إنتاج الأهداف العسكرية. فبدلًا من العملية التقليدية التي كانت تحتاج إلى وقت طويل للتحقق والمراجعة، أصبح بالإمكان توليد قوائم أهداف واسعة خلال ساعات، اعتمادًا على الأنظمة الخوارزمية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التسارع أدى إلى تكثيف الضربات بصورة غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه أثار أسئلة عميقة حول حدود الدقة وحدود الخطأ. فكلما اتسعت دائرة التحليل الآلي، أصبح احتمال وقوع أخطاء في التصنيف أكثر خطورة، خاصة في بيئة شديدة الكثافة مثل غزة، حيث يصعب الفصل الكامل بين المدني والعسكري.
وتلفت الدراسة إلى أن بعض التقارير الغربية والإسرائيلية نفسها تحدثت عن اعتماد متزايد على أنظمة توصية آلية في تحديد الأهداف، بما جعل دور العنصر البشري أقرب إلى المصادقة السريعة على ما تنتجه المنظومة التقنية.
💬 التعليقات (0)