أمد/ الحرب الأولى: إيران ■ ما أن هدأت حدة حرب الإبادة في قطاع غزة، وانتقلت إلى شكل من الأعمال العدوانية اليومية، بغطاء من ورقة ترامب وتفسيرات مجلس السلام لمفهوم وقف الحرب والنار، أشعل التحالف الأميركي – الإسرائيلي نيران حربه المستعرة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، بدت أهدافها المحدودة كوقف المشروع النووي السلمي، وإلغاء مشروع الصواريخ الباليستية، وبتر العلاقة بين طهران وحلفائها في المنطقة، مجرد عناوين لمشروع أكبر، حين حاول التحالف المذكور تكرار تجربة فنزويلا، في إسقاط النظام في إيران، عبر إغتيال الصف القيادي الأول فيها، من سياسيين وعسكريين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي. لقد أثبتت محاولة تكرار سيناريو فنزويلا في إيران، هشاشة معرفة واشنطن وتل أبيب، بطبيعة النظام في طهران، ومدى تماسكه وصلابته وقدرته على لملمة صفوفه، واستعادة حيويته، رغم فداحة الخسائر التي لحقت به في الضربة الأولى، وما أحدثته من فراغ قيادي، كان رهاناً خاسراً لدى الولايات المتحدة ولدى إسرائيل، وهو ما جعل الجانبين الحليفين في الجولة الأولى من الحرب لتوليف مفهومهما لقدرتهما على تغيير النظام بالادعاء أن مقتل الصف الأول وحلول الصف الثاني مكانه، هو في حد ذاته تغيير للنظام، الأمر الذي أثار سخرية المراقبين، من هذا الادعاء، وأثبت أن سياسة الاغتيالات للقيادات، كما تتبعها الولايات المتحدة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، أسلوب غير فاعل في كل مرة، ولعل التجربة الفلسطينية التي قدمت خلالها الحركة الوطنية صفاً قيادياً واسعاً، قضى اغتيالاً على يد قوات الاحتلال، خير شاهد على فشل هذا النمط، خاصة إذا ما كانت المقاومة تملك من الكيانية والمؤسسات والبنية ما يؤهلها لمواصلة المسار أياً كانت خسائرها القيادية. كذلك أثبت امتداد المعارك لأكثر من 60 يوماً (حتى كتابة هذه الكلمات)، دون أن يحقق العدوان الأميركي – الإسرائيلي أهدافه، تماسك المجتمع الإيراني ووقوفه وراء نظامه السياسي، الذي جمع بين القيم الروحانية والأخلاقية والسياسية بمفهومها الإنساني. فمن حق إيران أن تقيم مشروعها النووي السلمي، لتعزيز قدراتها العلمية والمعرفية وتطوير بناها الإنتاجية والإقتصادية. ولقد سبق لها وأن إلتزمت قواعد وشروط الإمتثال إلى الوكالة الدولية للطاقة، لولا إنقلاب ترامب على طهران عام 2018، حين ألغى الإتفاق الذي وقعته الجمهورية الإسلامية مع الرئيس الأسبق أوباما. كذلك أثبتت إيران حقها في إمتلاك سلاحها الدفاعي، كالصواريخ الباليستية والصواريخ متعددة الرؤوس، في مواجهة الأعمال العدوانية الأميركية – الإسرائيلية، وللمرة الثانية تنقلب الولايات المتحدة على جولة المفاوضات مع إيران، وتذهب إلى الحرب دون أي مبرر سوى تلبية لأهدافها ومطامعها الإستعمارية. ففي المرة الأولى؛ إنقلبت واشنطن على المفاوضات، وشنّت حرباً مفاجئة إلى جانب الحليف الإسرائيلي، حرباً ضد إيران في حزيران 2025، دامت 12 يوماً، فشل فيها التحالف العدواني في تحقيق أهدافه، سوى ما ألحقه من خسائر بشرية ودمار في البنيان. وتأتي الثانية في 28/2/2026 بعد ساعات على وصول نائب الرئيس الأميركي فانس، ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في إسلام أباد، إلى خطوة تفاهم اعتبرها الطرفان أساساً للتقدم إلى الأمام للوصول إلى حل سلمي للقضايا المثارة. وباعتراف وزير الخارجية العماني، في مقال له نشرته الصحف الأميركية، أكد أن الحرب التي فاجأ بها ترامب ونتنياهو، الجميع، هي حرب غير مشروعة، لا مبرر لها، وكان يمكن الوصول إلى حل تفاوضي لواشنطن وطهران في مفاوضاتهما. ما يؤكد في هذا السياق؛ أن واشنطن وتل أبيب، وفي الحالتين، لجأتا إلى المفاوضات، كغطاء لمشروعهما الإستعماري غير المحدود، والطامح إلى إحداث تغيير واسع في الإقليم من خلال التغيير الواسع في إيران. وإلى جانب تدمير المشروع النووي السلمي والسلاح الصاروخي، إستهدفت الحرب على طهران إرغامها على قطع علاقاتها مع حلفائها الإقليميين في العراق واليمن وفلسطين ولبنان، وهي محاولة مفضوحة لنزع الصفة الوطنية عن القوى الحليفة لإيران، ووسمها بالإستتباع للسياسة الإيرانية، تخوض حروب الآخرين على أرض وطنها، في تشويه فاقع للحقائق السياسية، إن في واقع الحال في العراق، حيث السطوة الأميركية الفاقعة حتى في التدخل في تعيين رئيس الحكومة أو في اليمن، حيث الحصار المفروض على الشعب وقواه السياسية وفي مقدمها أنصار الله الحوثي، أو في فلسطين حيث الإحتلال الإسرائيلي بمشروعه الإستيطاني القائم على الضم وتصفية الحقوق الوطنية المشروعة لأصحاب الأراضي، أو في لبنان حيث المطامع الإسرائيلية المكشوفة التاريخية في جنوب لبنان ومياه نهر الليطاني. تأتي الإشتراطات في فك تحالف إيران مع هذه القوى، لتعرض صورة مقلوبة، وكأن القضية هي قضية إيران مع تحالفاتها في إنكار فاضح لحقائق الوضع في العراق واليمن وفلسطين ولبنان، وهذا بحد ذاته ما أضفى على الحرب الأميركية – الإسرائيلية طابعها الإقليمي، فهي لا تقتصر على إعادة صياغة الحالة في إيران، بل في عموم الإقليم من خلال «تصوير» القوى التي تنظر إليها واشنطن وإسرائيل على أنها قوى حليفة لإيران. وفي ظل إدراك دقيق لطبيعة الحرب وأبعادها المحلية والإقليمية، عمدت طهران إلى توسيع ساحة الحرب لتصيب من خلالها الخاصرة الرخوة للولايات المتحدة، متمثلة في القواعد الأميركية المكشوفة على سواحل الخليج، فضلاً عن العمق الإسرائيلي، حيث نجحت طهران في إحداث توازن نسبي في مجرى الحرب المشتعلة. وفي السياق نفسه؛ أحدثت طهران إنقلاباً في مجرى الحرب وسياقها العام، حين حولت مضيق هرمز إلى سلاح، وصفه بعض المعلقين أنه أكثر خطورة من السلاح النووي، ما أحدث هزة في الإقتصادات العالمية، من بوابة تفعيل دور المضيق في حجب مصادر الطاقة عن أوروبا وشرق آسيا، الأمر الذي جعل من الحرب الإيرانية مسألة أميركية داخلية، عكست نفسها على الأسواق الإستهلاكية في الولايات المتحدة، وطالت بتداعياتها المسبقة الإنتخابات النصفية، في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، وما يلحقه ذلك من خسائر للحزب الجمهوري، وما يحدثه ذلك في السياق، من توازن جديد في مجلس النواب الأميركي ومجلس الشيوخ، على حساب نفوذ الرئيس الأميركي وقدرته على تسويق سياساته المحلية والدولية. رغم أن الحرب الإيرانية لم تضع أوزارها بعد، لفشل ترامب وحليفه نتنياهو في إحراز صورة نصر، تبرر لهما حربهما الكبرى، ورغم عدم القدرة على التنبؤ بالشكل الذي سوف تنتهي عليه، فإنه بإمكاننا أن نخرج ببعض الخلاصات الأولية، أياً كانت نتائج الحرب منها: 1- صلابة النظام الإيراني وتماسكه، وإلتحام المجتمع الإيراني بنظامه السياسي، الأمر الذي يوفر لطهران فرصة لإعادة بناء وترميم ما أحدثته الحرب من أضرار وكوارث. 2- البعد الإقليمي لحرب إيران، أياً كانت نتائجها، خاصة وأن تحالفها مع عدد من حركات التحرر العربية (العراق، اليمن، لبنان، سوريا) ليس تحالفاً عابراً، بل له أسبابه الخاصة لكل من حركات التحرر المذكورة، أي أن العامل المحلي في دول الإقليم التي تربط بينها وبين إيران علاقة تحالفية، لها قضاياها المحلية التي لا يمكن تجاوزها بالادعاء أنها تدخل إيراني في هذا البلد أو ذاك. 3- أثبتت الولايات المتحدة الأميركية أنها ليست دولة مطلقة القوة، تستطيع أن تحقق أطماعها وأهدافها بالسهولة التي يتصورها أصحاب البيت الأبيض، فإن الشعوب حين تتوفر لها أطر التنظيم والقدرة على المقاومة تستطيع تحويل الحرب الأميركية عليها إلى إستنزاف للولايات المتحدة نفسها. 4- أثبتت إسرائيل مرة أخرى، أنها ولد يتيم إذا ما رفعت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية يدها عن رعايته: في المرة الأولى في «معركة الطوفان»، حين تدفقت إلى المنطقة الأساطيل الأطلسية، وأقيمت جسور الدعم العسكري البحرية والجوية لتستعيد دولة الإحتلال الثقة بنفسها وبجيشها. وفي المرة الثانية حيث ومنذ الساعة الأولى سارعت دول أوروبا، خاصة ألمانيا وفرنسا، إلى جانب الولايات المتحدة، إلى ملء مخازن الجيش الإسرائيلي بمئات الأطنان من المعدات العسكرية. 5- أما على الصعيد العالمي، فإن الصين وروسيا وغيرها أدركت حقيقة «القوة الأميركية»، وأن أميركا ليست هي الدولة الأقوى في العالم عسكرياً ومالياً، فلكل قوة ثغرات، ولكل أخيل نقطة ضعف أثبتت الحرب هشاشة أوضاع حلف الناتو، حين أحجمت الدول الأوروبية عن المشاركة إلى جانب الولايات المتحدة، ما دفع ترامب لاتهام قادة أوروبا بالجبن، والتلويح بمستقبل غامض لحلف الناتو، أدت الحرب فيما أدت إليه إلى إضفاء حالة من الغموض على العلاقات المستقبلية بين إيران وجيرانها من دول الخليج■
الحرب الثانية: فلسطين قطاع غزة ■ ورقة ترامب ذات الـ20 نقطة، وما تلاها من قرارات وتشكيلات ذات صلة (قرار مجلس الأمن 2803، مجلس السلام، المجلس التنفيذي، قوة الاستقرار، اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة ...)، ما هي إلا واحدة من التداعيات الكبرى للزلزال الجيوسياسي الذي أحدثته في المنطقة، معركة الطوفان وحرب أكتوبر 23. من المفيد أن نتذكر أن ترامب في ورقته المذكورة، قطع شوطاً غير قصير ليبلور مبادرته بعيداً عن التصفية للقضية الفلسطينية، فلقد بدأ تناوله للقطاع، في ظل حرب الإبادة باعتباره مجرد أرض وجغرافيا وعقار لمشاريع استثمارية كبرى، منفصلة عن المصالح المباشرة للوجود الفلسطيني، وما الذي دعا ترامب للتخلي عن مشروعه تهجير سكان القطاع إلى مصر والأردن بشكل خاص، بحجة إعادة إعمار ما دمرته حرب الإبادة؟ وما الذي دعاه إلى التخلي عن تهديداته المتكررة بفتح أبواب جهنم ضد المقاومة الفلسطينية في القطاع إذا لم تستجب لابتزازاته وتهديدات نتنياهو، وإذا لم تخضع لشروط الإحتلال لوقف النار؟. كتلة من العوامل الكبرى أهمها الصمود الفلسطيني، والإلتحام بين الشعب والمقاومة، والإنتفاضة العالمية لصالح الشعب الفلسطيني. وتغيير مواقف قطاعات واسعة من الناخبين في أوروبا والولايات المتحدة نفسها، وتأثير ذلك على التوازنات السياسية الخاصة بكل نظام، إلى جانب صمود الموقفين المصري والأردني، ورفضهما الحل الأميركي، وإدراك ترامب لاحقاً، حقيقة المأزق الذي دخلته إسرائيل في حربها المفتوحة ضد الوجود الفلسطيني في القطاع، حرباً وجودية فشلت في تحقيق أياً من أهدافها السياسية، إذا ما تجاوزنا حجم الدمار في البنيان، ووتيرة القتل الجماعية (عشرات آلاف الشهداء والجرحى المصابين)، وبالتالي فإن ورقة ترامب ذات الـ20 فقرة، أياً كانت ملاحظاتنا السلبية عليها، فإنها ثمرة من ثمار الصمود الأسطوري لشعب القطاع، وضعت نهاية للحرب (رغم الخروقات الإسرائيلية التي لم تتوقف)، وأفسحت في المجال، لانفراجات، خاصة ما يتعلق بالأسرى، وعودة النازحين إلى ديارهم ولو مدمرة، وقرار فتح المعابر، وتدفق المساعدات (دون التقليل من العراقيل الإسرائيلية) وإخراج الحالات الحرجة من الجرحى والمصابين والمرضى للعلاج في الخارج، وفتح الباب للبحث في تفاصيل تطبيق ورقة ترامب، وصدور القرار 2803 الذي ألغى الوصاية الأميركية المنفردة على الورقة، وجعل منها مستنداً للشرعية الدولية. ومع الإفتقاد إلى قيادة مرجعية موحدة لإدارة المفاوضات والمباحثات مع مبعوث مجلس السلام ملادينوف، فإن الإطار التشاوري الفلسطيني لفصائل المقاومة المقيم في القاهرة، نجح في تجاوز العديد من العقبات التي زرعتها إسرائيل في طريق التطبيق السليم لاتفاق وقف الحرب ووقف النار، كما تجاوز الضغوط التي وضعها ملادينوف بتوجيه من الثلاثي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وتوني بلير. ومع ذلك علينا أن نعترف أن العدو الإسرائيلي نجح في التلاعب بمراحل تطبيق الاتفاق، بحيث عطل بعض الجوانب المهمة في المرحلة الأولى، كالوقف التام لإطلاق النار كخروقات التدمير والنسف، أو التلاعب بالخط الأصفر، أو عرقلة دخول المساعدات غير المشروطة، أو فرض رؤيته على حركة المسافرين في معبر رفح، أو منع اللجنة الوطنية لإدارة القطاع من الإنتقال إلى غزة. ومع ذلك فإن التحسن النسبي في أوضاع القطاع، وحالة الاستقرار النسبية، تشكل أساساً مهماً لمواصلة الثبات على المواقف التي من شأنها أن تخدم الرؤية الوطنية لتطبيق خطة غزة. ومع ذلك يمكن القول إن باب الإحتمالات سوف يبقى مفتوحاً على مصراعيه للتقدم أكثر فأكثر في تحقيق المتبقي، أي إعادة إعمار القطاع، وضمان استقرار سكانه، والربط بينه وبين الضفة الغربية بمسار سياسي يقود إلى إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على حدود 4 حزيران (يونيو) 67■
الضفة الغربية والقدس ■ في ظل هجمة إستعمارية متصاعدة في إستقطاع المزيد من الأرض وضمها إلى دولة الإحتلال، يبدو الإفتراق في الحالة الفلسطينية واضحاً بين رؤيتين، تعكس كل منها مساراً سياسياً خاصاً بها يعبر في مضمونه عن مصالح طبقية واجتماعية متناقضة، أفرزتها عملية الذهاب إلى إتفاق أوسلو والتقيد بإستحاقاته، مقابل مصالح فئوية لأقلية في المجتمع الفلسطيني، يقابلها موجات من الضرر السياسي والإجتماعي، تلحق يومياً بمصالح الفئات الدنيا في المجتمع من عمال وصغار موظفين وصغار منتجين وفلاحين ومزارعين، يعيشون في ظل سلطة لا تملك الإرادة للدفاع عن مصالحهم سوى بالبيانات والتصريحات والشكوى إلى مجتمع دولي ينشغل بالقضايا الكبرى، بعد أن أسهمت سياسة الإستتباع والرضوخ للشروط الأميركية، في إضعاف القضية الفلسطينية ووضعها في ثلاجة الإنتظار، بينما المشروع الصهيوني الإستعماري يسير إلى الأمام، غير عابئ لا بقرارات الشرعية الدولية ولا بالنداءات، مستنداً إلى عنصرين رئيسيين: الدعم الأميركي غير المحدود من جهة، وحالة الفرقة الفلسطينية، وغياب القيادة الموحدة في المواجهة المطلوبة من جهة ثانية■
الخيار الأول: مرحلة التحرر الوطني ■ تشكل الرؤية السياسية القائلة بأن القضية الفلسطينية في ظل الاحتلال، ما زالت تعيش مرحلة التحرر الوطني، رؤية صف عريض من قوى العمل الوطني وفعاليات المجتمع المدني، وهي ما يطلق عليه المعارضة الوطنية لاتفاق أوسلو واستحقاقاته، وهي الرؤية البرنامجية التي كان قد أقرها (مرة أخرى) المجلس الوطني الفلسطيني (2018) والمجلس المركزي (2022) في تكرار لقرارات دورات سابقة للمجلسين المذكورين، كما كان قد أقرها الحوار الوطني بين بيروت ورام الله في 3/9/2020، بما في ذلك إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد بناه على أسس ديمقراطية وتشاركية، تضم الجميع، تستلهم معايير وتقاليد حركات التحرر في العالم التي ستمكنها إلى تحقيق أهدافها في الحرية وإقامة دولتها الوطنية عبر المقاومة الشعبية الشاملة بكل أساليبها، تجمع بين الميدان والسياسة■
الخيار الثاني: حالة إنتقالية نحو الدولة ■ وهو الخيار الذي تتبناه السلطة الفلسطينية، وتعمل لتحقيقه بناء على دفتر الشروط الأميركية – الأوروبية، والتي تحاول السلطة أن تداريها بالحديث عن إصلاح السلطة الفلسطينية، من خلال إجراءات غاية في الخطورة، تصل إلى حد المس بالثقافة الوطنية الفلسطينية، وقيم المقاومة باعتبارها إرهاباً في عملية إشغال الرأي العام بقضايا يفترض أن تكون مؤجلة، يشكل العمل بها إشغالاً مقصوداً في دوره، على حساب تنمية مظاهر المقاومة والصمود والمواجهة اليومية للإحتلال والإستيطان، وفي ارتهان واضح وصريح للوعود الأميركية التي مضى عليها أكثر من عقدين، منها «حل الدولتين» الذي ابتكره الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن (2001)، والذي جعل منه باقي الرؤساء الأميركيين مادة إلهاء وتسويف، وإفساح المزيد من الزمن للمشروع الإستعماري الصهيوني لتحقيق ذاته على أرض الضفة الغربية ومدينة القدس. هذا الفراق بين رؤيتين لكل منهما طابعه الإستراتيجي، ومشروعه البرنامجي، يسهم في إضعاف الحالة الفلسطينية، ويفوت الوقت على تحقيق المشروع الوطني، بل ويسهم – للأسف – في إضعاف وحدة الميدان في الشارع الوطني الفلسطيني، الأمر الذي يضع فصائل العمل الوطني وفعاليات المجتمع المدني أمام واجبات تاريخية كبرى، تتطلب منها أن تقدم حلولاً ميدانية وفاعلة، لتجديد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها من خارج القالب الرسمي ببنوده المعروفة. إن تجديد بنى الحركة الوطنية الفلسطينية، يفترض أن يبدأ من أسفل إلى أعلى، حيث تفتقد البيروقراطية التسلطية القدرة على تعطيل أعمال التجديد ومشاريعه، ومدخل هذا التجديد يتمثل في إعادة بناء الإتحادات الشعبية والنقابات المهنية والعمالية على أسس ديمقراطية، تتسلح ببرامجها الكفاحية عبر الربط بين الوطني والإجتماعي، والقدرة على الضغط لإصلاح المؤسسات الوطنية وقوانين تشكيلها وأنظمتها الداخلية، بما يحررها من التسلط البيروقراطي، ويخرجها من حالة التكلس البنيوي، ويعزز لديها آليات الفعل الديمقراطي في العضوية، وحرية النقاش، وديمقراطية إتخاذ القرار■
وزير الخارجية الأميركي: لن نسمح لإيران بالتحكم في مضيق هرمز
💬 التعليقات (0)