في الأزمنة العادية، كانت تُعقد المؤتمرات الحركية لتُغلق ملفات، أو تُرتّب بيوتاً داخلية، أو تُعيد توزيع الأدوار بين أبناء التنظيم الواحد. أما في الأزمنة المكسورة، حين يتشظى المعنى العام وتبهت ملامح الدولة، فإن المؤتمر يتحول إلى ما يشبه الوطن المؤقت، مساحة رمزية يُسقِط عليها الناس آمالهم المعلّقة، ويحمّلونها ما لا تحتمله الهياكل التنظيمية من أثقال التاريخ والحاضر.
هكذا يمكن قراءة حالة التهافت اللافتة على عضوية المؤتمر الثامن لحركة فتح، وما يرافقها من موجات مباركة على صفحات التواصل الاجتماعي، تقابلها ظلال امتعاض ومرارة لدى من لم تُتح لهم الفرصة. الأمر لا يتوقف عند حدود “مقعد” في مؤتمر، بل يتجاوز ذلك إلى شعور عميق بأن الحضور هناك هو شكل من أشكال الاعتراف، وإثبات الوجود، وربما ضمان مكان في سردية المرحلة القادمة. في ظل تراجع الأطر المؤسسية، يصبح التنظيم حاملاً بديلاً للشرعية، وتغدو عضويته نافذة نحو التأثير، أو على الأقل نحو الشعور بعدم التهميش.
من زاوية نفسية اجتماعية، تبدو هذه الظاهرة تعبيراً عن حاجة جماعية لإعادة التوازن بعد صدمات كبرى، على رأسها ما مرّ به الشعب الفلسطيني خلال العامين والنصف الماضيين من دمار وإبادة، خاصة في غزة . رغم أن غزة لا تمثل أكثر من 18% من القوة الانتخابية داخل المؤتمر، إلا أن أثرها الرمزي والوجداني يتجاوز كل الحسابات العددية. إنها جرح مفتوح في الوعي الجمعي، يجعل كل فعل سياسي محاطاً بسؤال أخلاقي: ماذا بعد؟ وكيف يمكن النجاة من هذا التيه؟
الكادر الفتحاوي، بين طموحاته الشخصية ووعيه الوطني، يقف أمام مرآة مزدوجة؛ يرى فيها ذاته كفرد يسعى إلى موقع ودور، ويرى فيها شعباً ينتظر من حركته أن تستعيد زمام المبادرة. هذا التوتر بين الخاص والعام يفسّر جانباً من الحراك الكبير حول المؤتمر. فالمباركات ليست فقط تهاني، بل أيضاً إعلان اصطفاف، وبناء تحالفات، وتثبيت مواقع في خريطة غير واضحة المعالم. أما الامتعاض، فهو الوجه الآخر لشعور بالإقصاء، أو بالخوف من الغياب عن لحظة قد تكون مفصلية.
السؤال الأهم يبقى: ماذا نريد من نتائج المؤتمر الثامن؟
نريد أكثر من مجرد لجنة مركزية جديدة، أو مجلس ثوري بتركيبة مختلفة. نريد خيط إنقاذ وطني في بحر متلاطم من الأزمات. نريد رؤية تعيد تعريف المشروع الوطني في ضوء التحولات الإقليمية والدولية، وتُعيد الثقة بين الشارع وقياداته. الناس، ببساطة، تبحث عن خلاص، عن أمل يمكن الإمساك به، عن شعور بالأمان بعد سنوات من القلق والانكسار.
💬 التعليقات (0)