لم يكن خروج أهالي جنوب لبنان من قراهم وبلداتهم مجرد رحلة انتقال من مكان إلى آخر بحثا عن الأمان، بل كان اقتلاعا قاسيا لجذور امتدت في الأرض لسنوات.
وخلف جبهات القتال وأصوات القذائف، تتوارى حكايات إنسانية موجعة تتشابه في فصولها وتتفرد في تفاصيلها؛ حكايات عن ليالي الرعب وعن قوافل النزوح الطويلة وعن بيوت تحولت إلى رماد ومواسم زراعية التهمتها نيران الاحتلال الإسرائيلي.
ومن خلال شهادات حية لنازحين من قرى وبلدات جنوبية -كما جاء في تقرير تامر الصمادي على قناة الجزيرة- تتضح صورة الأزمة العميقة التي يعيشونها، وكيف يحاولون التأقلم مع واقع فُرض عليهم قسرا، متسلحين بذاكرة لا تفرط في تفاصيل حياتهم البسيطة.
ولم تمنح الحرب الأهالي ترف الوقت لجمع أمتعتهم أو أوراقهم الثبوتية، إذ فرضت عليهم واقعا مرعبا للنجاة بأرواحهم تحت وابل النيران.
وتروي سيدة سبعينية نازحة كيف انقلبت حياتها رأسا على عقب في ليلة واحدة، قائلة إنها لم تتمكن من أخذ ورقة معها من منزلها رغم إدراكها مدى قرب القصف منها ومن منزلها، لكنها أملت أن تعود إلى منزلها مرة أخرى؛ فحمل أغراضها معها خلال رحلة النزوح يعني التسليم بواقع التهجير، وهو ما ترفضه المسنة اللبنانية.
ولم تكن الوجهة واضحة، بل كانت محطات متتالية من النزوح بحثا عن ملجأ يقيهم الموت، وتتابع السيدة سرد رحلة شتاتها، وتقول: "كلنا نزحنا إلى منطقة النبطية، إلى المخيم هنا، تدمّر البيت ونزحنا، ولم يبق لدينا شيء".
💬 التعليقات (0)