رنَّ الهاتف فتناول جيمس أنغلتون سماعته دون أن يرفع عينيه عن الملف المفتوح فوق سطح مكتبه، لكن شيئا ما في كلمات مُحِدّثه تغلَّب على اهتمامه بالعمل. ففور إنهائه المحادثة نهض أنغلتون وهو يصوِّب نظرة خاطفة عبر النافذة وزجاجها المُغطَّى بطبقة كثيفة من البخار، نتيجة فارق درجة الحرارة بين الغرفة المليئة بأبخرة سجائره والطقس البارد خارج المقر الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في "لانغلي"، في صباح شتوي في ديسمبر/كانون الأول 1974.
وبعدما تأكد أنغلتون من إغلاق باب مكتبه توجَّه إلى الطابق السابع، حيث مكتب مدير الوكالة ويليام كولبي الذي طلب حضوره على وجه السرعة. ورغم أن استدعاء مرؤوس إلى مكتب مديره قد يبدو إجراء اعتياديا في ظرفٍ آخر، إلا أن هذا اليوم كان ذروة سنوات من عدم الثقة المتبادلة بين الرجلين.
فكولبي طالما رأى في جيمس أنغلتون، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم مكافحة التجسس في الوكالة آنذاك، رجلا مصابا بالارتياب المفرط بشكلٍ تسبب في شلِّ عمليات الوكالة على مدار سنوات، حيث تحول حذره إلى حالة جمود تعطل المبادرة وتُبطئ كل قرار عملياتي. وبدوره، اعتبره أنغلتون كولبي مجرد "جندي مظلات" سابق، دفعه الحظ إلى رئاسة الجهاز، رغم افتقاره إلى المؤهلات الشخصية اللازمة للمنصب.
"لم يكن أنغلتون مرؤوسا عاديا يمكن التخلص منه بتوقيع بسيط"
كان كولبي قابعا وراء مكتبه حين دخل أنغلتون، ودون مقدمات أبلغه أنه يعفيه من منصبه. بدا ذلك أشبه بإلقاء قنبلة بيدٍ متسرعة نحو الخصم فور ظهوره، متجاهلا أن أنغلتون لم يكن مرؤوسا عاديا يمكن التخلص منه بتوقيع بسيط. إذ شغل الرجل على مدار عقدين (1954-1974) موقعا فريدا داخل الوكالة، جمع فيه بين صلاحيات رسمية واسعة ونفوذ بيروقراطي استثنائي.
فبوصفه رئيس قسم مكافحة التجسس، كان أنغلتون صاحب الكلمة الفصل في تحديد مصداقية المنشقين السوفييت الذين يعرضون خدماتهم على الوكالة، كما كان يتلقى نسخا من جميع البرقيات العملياتية، ويمتلك صلاحية الاعتراض على تجنيد أي عميل. إضافة إلى صلاحية غير مسبوقة للوصول إلى أرشيف الوكالة وملفات موظفيها، واحتفاظه بملفات ضخمة وسرية للغاية خارج نظام السجلات العادي للوكالة، إلى جانب إدارة ملف الارتباط مع الموساد، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، عبر قناة حصرية، شملت ترتيبات تبادل المعلومات وتمويلا سريا.
💬 التعليقات (0)