f 𝕏 W
هل تغيّرت طبيعة الحرب في الشرق الأوسط؟ من تدمير القوة إلى منع إنتاجها

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

هل تغيّرت طبيعة الحرب في الشرق الأوسط؟ من تدمير القوة إلى منع إنتاجها

الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا تُقصف الجامعات؟ولماذا لا يقتصر الاستهداف على المقاتلين، بل يمتد إلى المدن والبنية التحتية والعقول؟هذه الأسئلة لم تعد هامشية في فهم ما يجري في الشرق الأوسط، بل أصبحت مفتاحًا لفهم نمط جديد من الحروب، يتجاوز فكرة "هزيمة العدو" إلى ما هو أعمق: منع العدو من أن يصبح قويًا أصلًا. لم تعد الحرب كما كانتفي التصور التقليدي، كانت الحروب تدور حول: تدمير قدرات العدو العسكرية، أو ردعه ومنعه من الهجوم. لكن ما نشهده اليوم في أكثر من ساحة يشير إلى شيء مختلف. لم يعد الهدف فقط تحييد االعدو، بل التأثير في البيئة التي تسمح له بالظهور والاستمرار.بمعنى أبسط: لم يعد الصراع على "ما يملكه العدو الآن"، بل على "ما يمكن أن يمتلكه في المستقبل".فائض القوة… حين تتحول القوة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقععندما تمتلك دولة تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا كبيرًا، فإنها لا تكتفي بالدفاع عن نفسها. بل تصبح قادرة على التأثير في محيطها بشكل أعمق.هذا ما يمكن تسميته بـفائض القوة: أي القوة التي تتجاوز الحاجة المباشرة للدفاع، وتُستخدم لإعادة تشكيل البيئة المحيطة.في هذا الإطار، يمكن فهم السلوك الإسرائيلي في المنطقة ليس فقط كاستجابة لتهديدات، بل كمحاولة مستمرة لضبط مستوى القوة لدى الآخرين، بحيث لا يصلون إلى مرحلة التوازن.ما الذي يتم استهدافه فعليًا؟ إذا نظرنا إلى ما يحدث في عدة ساحات، سنلاحظ نمطًا متكررًا: تدميراً واسعاً للمدن والبنية التحتية، استهداف الجامعات والمؤسسات التعليمية، اغتيال قيادات عسكرية وعلمية، قد يبدو هذا للوهلة الأولى كجزء طبيعي من الحرب، لكن عند النظر إليه ككل، تظهر صورة مختلفة.فالمدينة ليست مجرد مبانٍ، بل هي المكان الذي تتشكل فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. وتدميرها لا يعني فقط خسارة مادية، بل تفكيك المجتمع نفسه.والجامعة ليست مجرد مبنى تعليمي، بل هي مصنع المعرفة. واستهدافها يعني ضرب القدرة على التفكير والتطوير في المستقبل.أما اغتيال الكفاءات والقيادات، فهو لا يستهدف الأشخاص فقط، بل يقطع الطريق على تحويل المعرفة والخبرة إلى قوة فعلية.من غزة إلى العراق وسوريا.. نمط يتكررما يعطي هذا التحليل وزنه هو أنه لا يقتصر على حالة واحدة.في فلسطين، لا يقتصر الاستهداف على الفصائل المسلحة، بل يمتد إلى المجتمع ككل، بما في ذلك البنية الحضرية والاقتصادية.في العراق، أدى تفكيك مؤسسات الدولة بعد 2003 إلى إضعاف قدرتها على العمل كدولة مؤثرة.في سوريا، ساهمت سنوات الحرب في إعادة تشكيل الدولة ضمن ظروف ضعف عميقة.وفي لبنان، يتداخل الضغط العسكري مع الأزمة الاقتصادية والاغتيالات، بما يؤثر على قدرة المجتمع والدولة معًا.أما في إيران، فإن استهداف العلماء والبرامج الاستراتيجية يشير إلى محاولة تعطيل مسار التحول إلى قوة أكبر.هل هذا مقصود أم مجرد نتيجة للحرب؟ قد يقول البعض إن كل هذا مجرد نتيجة طبيعية للحروب، خصوصًا عندما تكون غير متكافئة. وهذا صحيح جزئيًا.لكن عندما يتكرر نفس النمط في أماكن مختلفة -استهداف المدن، المعرفة، والقيادات- يصبح من الصعب اعتباره صدفة.الأقرب للواقع أننا أمام طريقة معينة في استخدام القوة، حتى لو لم تكن مكتوبة في خطة معلنة.حرب على المستقبل لا على الحاضرالفرق الجوهري هنا هو أن الصراع لم يعد فقط على ما يحدث الآن، بل على ما يمكن أن يحدث لاحقًا.فبدلًا من انتظار ظهور قوة معادية ثم مواجهتها، يتم العمل على:إضعاف البيئة التي قد تنتج هذه القوة، تقليل فرص التعافي والنهوض، تعطيل مسار التطور.بمعنى آخر: منع المشكلة قبل أن تولد، لكن هل تنجح هذه الاستراتيجية دائمًا؟ليس بالضرورة. التاريخ يُظهر أن الضغط الشديد قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية: ظهور أشكال جديدة من المقاومة، تطوير أدوات غير تقليدية، إعادة بناء القدرة بطرق مختلفة، وهذا يعني أن محاولة التحكم في "قدرة الآخرين" قد تنجح مؤقتًا، لكنها ليست ضمانة دائمة.الخلاصة: ما الذي تغيّر فعلًا؟ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط قد يكون تحولًا حقيقيًا في طبيعة الصراع:من تدمير القوة إلى منع إنتاجها، ومن استهداف الفاعل إلى استهداف البيئة، ومن معركة على الحاضر إلى صراع على المستقبل.وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط من يملك القوة اليوم، بل من سيُسمح له بامتلاكها غدًا. الحرب اليوم لا تُخاض لهزيمة العدو، بل لمنعه من أن يكون عدواً أصلًا.*باحث في العلاقات الدولية

هل تغيّرت طبيعة الحرب في الشرق الأوسط؟ من تدمير القوة إلى منع إنتاجها

د. سعيد صبري - مستشار اقتصادي دولي - وعضو مجلس التحول الرقمي الدولي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)