الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس
منذ انطلاقتها في أواخر خمسينيات القرن الماضي، شكّلت حركة فتح العمود الفقري للنضال الوطني الفلسطيني، ورافعةً أساسية لإعادة صياغة الهوية السياسية للشعب الفلسطيني في مرحلةٍ كانت فيها القضية مهددة بالتهميش. في لحظة التأسيس، برزت مجموعة من القادة الذين شكّلوا البنية الفكرية والتنظيمية للحركة، وكان لهم دورٌ حاسم في رسم مسارها الأول. فقد مثّل ياسر عرفات الوجه الأبرز والقيادة الجامعة التي نقلت فتح إلى موقعها المركزي داخل منظمة التحرير الفلسطينية، فيما ساهم خليل الوزير (أبو جهاد) في بناء الإطار العسكري والتنظيمي للعمل الفدائي وتطوير أدوات المقاومة. أما صلاح خلف (أبو إياد)، فقد لعب دورًا محوريًا في تأسيس البنية الأمنية والسياسية وربط العمل التنظيمي بالدبلوماسية والنشاط الخارجي. وقد أسهم هذا الجيل المؤسس في تحويل فتح من تنظيم ناشئ إلى مشروع وطني شامل، جمع بين الكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي، وأعاد وضع القضية الفلسطينية في قلب الاهتمام العربي والدولي.ومع صعودها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، تحوّلت فتح من مجرد فصيل إلى عنوانٍ جامعٍ للنضال، يمزج بين العمل المسلح والفعل السياسي والدبلوماسي.في المشهد الفلسطيني المتشظّي اليوم، تقف فتح ككيانٍ مزدوج الملامح: سلطةٌ راسخة في مؤسسات الحكم، وحركةٌ سياسية تتآكل تدريجيًا في وجدان الشارع. هذا التناقض ليس طارئًا، بل هو نتيجة مسار طويل من التحولات، خصوصًا بعد دخولها معادلة الحكم عبر السلطة الوطنية الفلسطينية.تمسك الحركة بمفاصل القرار داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وتدير شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والإدارية في الضفة الغربية. هذا الحضور يمنحها قوة تنظيمية واضحة، لكنه يضعها أيضًا في مواجهة مباشرة مع تحديات الحياة اليومية للمواطن من الاقتصاد إلى الأمن، وهو ما ينعكس على صورتها الشعبية.على مستوى القيادة، يبرز محمود عباس كرمزٍ للاستمرارية، لكن غياب آليات التجديد السياسي وتأجيل الانتخابات خلقا حالة من الجمود، وفتحا الباب أمام تنافس داخلي بين تيارات متعددة داخل الحركة.في المقابل، تواجه فتح تحديًا متصاعدًا من قوى أخرى، أبرزها حركة حماس، التي استطاعت تعزيز حضورها، خاصة في قطاع غزة، مستفيدةً من خطاب مختلف وأدوات تأثير بديلة.أما سياسيًا، فما زالت الحركة تراهن على المسار الدبلوماسي، مستندة إلى إرث اتفاقية أوسلو، رغم تعثّر هذا المسار وتراجع الثقة به لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين.المؤتمر الثامن: لحظة الاختبار المؤجلفي هذا السياق، يكتسب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح أهميةً استثنائية، ليس بوصفه استحقاقًا تنظيميًا فحسب، بل كفرصةٍ نادرة لإعادة بناء الحركة من الداخل، غير أن هذا المؤتمر لا يُقاس فقط بقدرته على ترتيب البيت التنظيمي، بل بمدى استجابته لتوقعات الشارع الفلسطيني، الذي لم يعد معنيًا بتوازنات الأطر بقدر ما يبحث عن إجاباتٍ ملموسة.فالفلسطيني “الوطني”—بمعناه الواسع—لا ينتظر شعاراتٍ جديدة، بل تحولاتٍ حقيقية: قيادة تُجدَّد عبر آليات ديمقراطية شفافة، ومحاسبة فعلية تعيد الاعتبار لفكرة المسؤولية، ودورًا سياسيًا واضحًا يخرج من ضبابية المسار القائم. كما يتطلع إلى حركةٍ تستعيد صلتها اليومية بهموم الناس، لا بوصفها سلطة تدير الأزمات، بل كإطارٍ وطني يقود مشروعًا.وهذا يشمل إعادة تعريف العلاقة بين العمل الدبلوماسي وأشكال المقاومة الشعبية، بما يعكس نبض الشارع لا حسابات الجمود. كذلك، يبقى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية مطلبًا مركزيًا، ليس كشعارٍ توافقي، بل كخطوة عملية تعيد ترتيب البيت الفلسطيني.المطلوب من هذا المؤتمر، إذًا، يتجاوز الشعارات إلى قرارات حاسمة: تجديد القيادة عبر آليات ديمقراطية حقيقية، وإدماج جيل الشباب في مراكز القرار، ووضع حدٍ لحالة التكلس التنظيمي التي أضعفت الحيوية الداخلية. كما يُنتظر أن يعيد المؤتمر صياغة البرنامج السياسي للحركة، بما يوازن بين الثوابت الوطنية ومتغيرات الواقع، ويحدد بوضوح أدوات النضال -بين الدبلوماسية والمقاومة الشعبية- بدل تركها في حالة ضبابية.في هذا المعنى، لا يُقاس نجاح المؤتمر بما يعلنه من قرارات، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال بسيط يطرحه الفلسطيني اليوم: هل ما زالت فتح قادرة على تمثيل مشروع وطني جامع، أم أنها باتت أسيرة دورها كسلطة؟في لحظةٍ تاريخية تتآكل فيها المسلمات وتُعاد صياغة موازين القوة، لم تعد أزمة حركة فتح مجرد تراجعٍ تنظيمي أو خلافٍ داخلي، بل تحوّلت إلى سؤالٍ وجودي يمسّ جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ذاته. فالحركة التي صنعت مرحلة، تجد نفسها اليوم أمام امتحان القدرة على صناعة مرحلةٍ جديدة لا عبر استدعاء الماضي، بل عبر كسر أنماطه.إما أن يشكّل المؤتمر الثامن نقطة انعطاف حقيقية تعيد ضخّ الحياة في جسد الحركة، أو أن يتحول إلى محطةٍ أخرى في مسار التأجيل وإدارة الأزمة. وفي هذا المفترق الحاد، لا يكون التردد خيارًا: فالتاريخ لا ينتظر، والشارع لا يغفر طويلًا، والفرص حين تضيع لا تعود بالصيغة نفسها.هنا، لم يعد السؤال إن كانت فتح ستبقى، بل إن كانت ستبقى حركة تحرر، أم تتحول نهائيًا إلى سلطةٍ بلا مشروع.*أكاديمي وباحث سياسي
المؤتمر الثامن: "فتح" على مفترق الطرق.. سلطةٌ تُمسك بالمؤسسات.. وحركةٌ تفقد الشارع
د. سعيد صبري - مستشار اقتصادي دولي - وعضو مجلس التحول الرقمي الدولي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)