الثّلاثاء 05 مايو 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس
على قدمٍ وساقٍ تجري الاستعدادات لعقد مؤتمر حركة "فتح" الثامن في رام الله، وسط واقعٍ صعب وظروفٍ مستحيلة، إلا أننا كشعبٍ يبدو أننا اعتدنا ممارسة الديمقراطية في أحلك الظروف وأكثرها سخونة. فبعد انتخابات البلديات وما شهدته من حراكٍ وانقسامٍ وتدافعٍ وتنافر، ونِسَب مشاركةٍ بالكاد وصلت إلى النصف أو تعدّته بقليل، يجري الاستعداد لعقد مؤتمر فتح الثامن على طريق الديمقراطية الفلسطينية التي تأتي في ظل كل ما نشهده من واقعٍ على الأرض، وما يعيشه الإقليم والعالم بشكلٍ عام.يقول أحدهم التقيت به صدفةً على قارعة الطريق: "الفلس عام وطام، ونحن راكضون خلف صندوق الاقتراع".ويقول آخر صادفته بباب المصعد وأنا ذاهبٌ إلى عملي: الهدف من الانتخابات هو تجديد الشرعيات وتجديد الأشخاص وإحداث تغيير نحو الأفضل، ولا هذا ولا ذاك يحدث في بلادنا؛ نكرر نفس الشرعيات وذات الأشخاص، بذات الكلمات ونصدق الوعود، ثم نعود لنندب حظنا. وأردف قائلًا: "البين يطسنا".ضحكت، وقلت: سأجرب الكتابة حول ما أعارتني المصادفات من أفكارٍ شكّاءةٍ في ظاهرها، حقيقيةٍ في مضمونها وأثرها، ويبدو أنها تشغل بال الكثيرين ممن آمنوا بالفكرة ولم يحظوا بالعضوية في مؤتمرات الحركة الثمانية.من المعلوم أن حركةً جماهيريةً لا يمكنها أن تحمل كافة أعضائها وقادتها وطلائعها، شبانها وشيبها وشبيبتها، ممن أفنوا من أعمارهم عقودًا من الزمن منضبطين وملتزمين، ولم يجنحوا يومًا أو يخرجوا عنها، ولكن كان المطلوب نوعًا من العدالة في الاختيار، بحيث تضمن لعضوٍ أمضى ثلاثة أو أربعة أو خمسة عقودٍ منتميًا لـ"فتح" أن يحظى بعضوية مؤتمرٍ واحدٍ من مؤتمراتها الثمانية. أما ولم يحدث ذلك، فإن في الأمر خللًا، ليس في "فتح"، بل في من يضعون منهاج الاختيار وفق قواعد وشروط وقوانين غير منصفة، بل وظالمة؛ لأنها تجعل رجلًا يحمل على كتفيه ثقل عمرٍ من التضحيات، وقد قضى حياته في "فتح" منضبطًا وملتزمًا بالعهد والقسم والولاء، لا يجد كلامًا يقوله لأحفاده، وهم يسألونه عن عدم وجوده عضوًا في المؤتمر، وفي المقابل ابن الجيران، الذي لم يبلغ العشرين بعد، استحق العضوية.لو وقف أحد القادة ممن أُوكلت إليهم مهمة وضع شروط العضوية مكان الرجل أمام أحفاده، لعرف كيف يكون الظلم صفعةً على خد كهلٍ عجوزٍ تغنّى بالحركة طيلة حياته، ولم يخرج عليها يومًا.كان يمكن لـ"فتح" أن تحفظ للكثيرين مهابتهم أمام أعين أحفادهم وأبنائهم، لكنها، كما في كل مؤتمر، لم تفعل؛ ليس لأن "فتح" لا تريد، بل لأن من وضع النظام لم يُعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.كان بالإمكان استيعاب المزيد من القامات والهامات والطاقات الفتحاوية داخل عضوية المؤتمر، وكان ذلك سيضفي على المؤتمر قاعدة أوسع وأشمل، وحريٌّ بـ"فتح" فعل ذلك لأنها ليست حركة هامشية، بل متجددة الأثر في مواكبة الأجيال. فالاتساع في التمثيل لا يُضعف القرار، بل يمنحه شرعيةً أعمق، ويجعل مخرجات المؤتمر أكثر التصاقًا بروح القاعدة التي صنعت تاريخ الحركة.إن "فتح"، بتاريخها وحضورها، قادرةٌ على أن تقدّم نماذجًا في إدارة الاختلاف وتوسيع دوائر المشاركة، بحيث يشعر كل من انتمى إليها يومًا، أن له مكانًا محفوظًا في بيتها الكبير. فحركات التحرر تقاس بقدرتها على احتواء أبنائها، وصون كرامتهم، ومنحهم الإحساس بأن ما بذلوه لم يذهب سدىً، وأن أبوابها مفتوحةً لكل من طرقها بإخلاص.سمعت شكاوى محقة كثيرة، وكم أحزنتني تلك الكلمات التي أصابت المعنى من قامات فتحاوية عايشتها. ليس عتبًا فحسب، بل حزنًا على مآلات كان يمكن تجاوزها، لو أعدنا الأشياء لبساطتها الأولى.
مؤتمر "فتح" الثامن وحق العضوية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)