أحدثت الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني عموما وفي قطاع غزة خصوصا خلال الشهور ال 30 الماضية، التي أودت باستشهاد وجرح نحو 300 ألف فلسطيني، وتدمير أكثر من 90% من الوحدات السكنية والمدارس والجامعات والمعابد في محافظات ومدن وبلدات ومخيمات القطاع، وتدمير مصادر المياه والكهرباء والبنى التحتية، تحولا نوعيا وجذريا في الرأي العام العالمي، وخاصة في دول الغرب الامبريالي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، وليس تحولا آنياً مؤقتا. لأنها أيقظت العالم من سبات طويل نتاج التضليل الواسع من امبراطورية الاعلام الصهيو أميركية – الاوربية، والدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الأمني لدولة إسرائيل اللقيطة والنازية، وطمس وقلب حقائق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما يخدم الرواية الصهيونية الزائفة والمفبركة، المتناقضة مع ابسط حقائق التاريخ وترويج مفاهيم لا تمت للوقائع الجيوسياسية بصلة، وصُورت إسرائيل كأنها "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وسط غابة من الدول "المتخلفة غير المتحضرة"، مع أن معظم دول الوطن العربي والاقليم تابعة للدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.
لكن حركة التاريخ، وسيرورة الصراع بين الحق الفلسطيني العربي والباطل الإسرائيلي النازي المدعوم من الغرب الامبريالي، الذي توج بالإبادة الجماعية بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، أماط اللثام عن وجه دولة اسبارطة الإسرائيلية الحقيقي، كدولة همجية لا تقبل القسمة على السلام والتعايش مع الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا حتى مع الدول العربية التي وقعت معها اتفاقيات "سلام"، وهو ما أعلنه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الائتلاف الحاكم الإسرائيلية، وأركان حكومته النازية: أن هدفها إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، أي على حساب تلك الدول.
لمجابهة هذا التحول الاستراتيجي في الرأي العام العالمي، رصدت موازنة إسرائيل للعام 2026 ما قيمته 730 مليون دولار أميركي للدبلوماسية العامة – وهي الفئة الواسعة المعروفة بالعبرية باسم "حسبارا – بزيادة خمسة أضعاف ما خصصته موازنة العام الماضي البالغ 150 مليون دولار، وكان المبلغ السابق يمثل نحو 20 ضعف ما انفقته إسرائيل على مثل تلك الجهود قبل اندلاع الإبادة الجماعية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حسب ما نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في 2 أيار / مايو الحالي.
ويعود سبب هذا الانفاق غير المسبوق في موازنات الحكومات الإسرائيلية السابقة الى ما أظهرته استطلاعات الرأي المتعاقبة في تراجع الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة ودول لغرب عموما، أهم حلفاء الدولة العبرية، حيث أشار استطلاع مركز بيو للأبحاث نشر في وقت سابق من الشهر الماضي، أن 60% من الاميركيين ينظرون الآن الى إسرائيل بشكل سلبي، بزيادة سبع نقاط في عام واحد. والأكثر إثارة لإسرائيل التي اعتادت على دعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء حدوث الانقلاب الدراماتيكي في أوساطهم: 57% من الجمهوريين تحت سن الخمسين يحملون اراء سلبية تجاه إسرائيل. كما انخفض الدعم بشكل ملحوظ بين غير المنتمين دينيا، والبروتستانت السود والكاثوليك. وبين اتباع الديانة اليهودية الاميركيين، انخفض الدعم الى أقل من الثلثين.
وتعاظم التحول على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الكلمة العبرية "حسبارا" اختصارا لتجاهل الدفاع عن اسرائيل، مما يشير الى مدى تعثر وتعقد الجهود الإسرائيلية الشاقة في استعادة تشكيل صورتها السابقة. ولم يقتصر التحول على صعيد الرأي العام، بل انتقل الى الكونغرس الأميركي، وانعكس هذا الانخفاض في الشهر الماضي، عندما صوت 40 من أصل 47 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ لمنع بيع جرافات كاتربيلر بقيمة 295 مليون دولار لإسرائيل، وصوت 36 عضوا لحظر بيع قنابل وزنها 1000 رطل، وهو ما يمثل أقوى انتقاد من الكونغرس للمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل على الإطلاق.
وفي ضوء هذا التحول النوعي، قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن البلاد تخوض حربا عالمية على القلوب والعقول، ويجب أن تنفق وفقا لذلك. وأضاف ساعر في كانون أول / ديسمبر 2025 بينما دخلت الحكومة في مداولات الميزانية: "حققنا اختراقا كبيرا هذا العام، لكن يجب علينا كدولة ان نستثمر أكثر بكثير." وتابع "يجب أن يكون الأمر مثل الاستثمار في الطائرات النفاثة والقنابل واعتراضات الصواريخ في مواجهة ما يواجه ضدنا، وما يستثمر ضدنا، هذا بعيد كل البعد عن أن يكون كافيا. هذه قضية وجودية." وتمكن وزير الخارجية من الحصول على موافقة لإنشاء وحدة دبلوماسية عامة مخصصة لهذا الشأن داخل الوزارة، يرأسها مدير يعادل رتبة أعلى مسؤول سياسي في الوزارة – وهو يهدف الى إنهاء سنوات من العمل الجزئي في الحسبارا عبر وزارات منافسة.
💬 التعليقات (0)