في مدينة دير البلح، وتحديداً داخل إحدى خيام النزوح المتهالكة، ينام الطفل إياد جربوع (12 عاماً) على الأرض بجوار فراش والده المشلول. يتحول نوم الصغير إلى مهمة مراقبة مستمرة، حيث يظل متيقظاً لأي نداء قد يصدر عن والده نهاد في عتمة الليل، ليلبي احتياجاته التي لا تنتهي في ظل واقع الإعاقة المرير.
تتجاوز مسؤوليات إياد حدود عمره الصغير بكثير، ففي هذه الخيمة الضيقة، تصبح كل حركة بسيطة عبئاً يحتاج إلى ترتيب مسبق وجهد بدني شاق. ينهض الطفل مع كل حركة لوالده، سواء لتعديل وضعيته أو لمساعدته في قضاء حاجته، مما جعل من جسده النحيل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها بقاء العائلة.
مع بزوغ الفجر، يبدأ فصل جديد من المعاناة اليومية، حيث يوزع إياد اهتمامه بين والده المشلول ووالدته زينب التي تعاني من بتر في ساقيها. يتحرك بمهارة اكتسبها من قسوة التجربة، فيقرب لهما الماء ويهيئ لهما الموضع المناسب، متخلياً عن أحلام الطفولة التي كان يفترض أن يعيشها بين مقاعد الدراسة.
تشاركه في هذا الحمل الثقيل شقيقته الكبرى رهف، البالغة من العمر 14 عاماً، والتي غادرت هي الأخرى مقاعد الدراسة لتصبح معيلة ثانية. تتقاسم رهف مع شقيقها مهام ترتيب الخيمة وتجهيز الفطور، في تحول قسري من حياة الكتب والامتحانات إلى حياة المسؤولية الكاملة عن والدين عاجزين.
تعد مهمة توفير المياه واحدة من أقسى المعارك اليومية التي يخوضها إياد، حيث يضطر لحمل ستة غالونات بلاستيكية والركض خلف صهاريج التوزيع. يقطع المسافات الطويلة فوق الرمال الناعمة التي تزيد من ثقل الحمل، ويعود مراراً وتكراراً حتى يملأ مخزون العائلة البسيط من الماء الصالح للشرب.
تظهر علامات التعب والإرهاق بوضوح على وجه إياد مع كل رحلة يقوم بها، لكن إصراره يدفعه للمواصلة دون توقف. يميل جسده الصغير تحت وطأة الغالونات الثقيلة، لكنه يدرك تماماً أن استمرار حياة والديه داخل الخيمة يعتمد بشكل كلي على هذه الخطوات المجهدة التي يقطعها يومياً.
💬 التعليقات (0)