الإثنين 04 مايو 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس
يكشف إغلاق المؤسسات في القدس عن مسار واضح يتجاوز كونه إجراءً إداريًا، فلا يمكن فهم ما يجري من خلال تقييم كل قرار على حدة، فإغلاق مؤسسة، أو ملاحقة جمعية، أو تعطيل انتخابات هيئة أهلية، كلها أحداث تأتي ضمن سياق واحد يتكرر بأشكال مختلفة، هذا السياق يؤثر مباشرة في الفضاء الثقافي المقدسي، بما يحمله من ذاكرة وعلاقات وقدرة على إنتاج المعنى، ويظهر ذلك في الحياة اليومية للمدينة، حيث تتكرر إجراءات تُقدَّم على أنها قانونية وأخرى تنموية، لكنها تعيد تحديد من يملك حق الحضور، ومن تتقلص مساحته داخل مدينته.إغلاق المؤسسات كمسار مساس بالمدينةتُظهر الوقائع خلال السنوات الأخيرة أن إغلاق المؤسسات في القدس يترك أثره المباشر على المدينة نفسها، فالإغلاقات المتكررة، والاقتحامات، والقيود القانونية، تتجاوز استهداف نشاط محدد، هي تمس الأساس الذي يقوم عليه العمل المؤسساتي الفلسطيني.حين يُغلق مركز مجتمعي، أو تُقيد جمعية، تتأثر شبكة من العلاقات اليومية التي تربط الناس بالمدينة وهويتها، عند هذه النقطة، لا يبقى الإغلاق محصورًا في المبنى. ويمتد أثره إلى الحياة الثقافية في المدينة، ويضعف حضورها الاجتماعي بشكل تدريجي.برج اللقلق: نموذج لإعادة تعريف الفضاءتُظهر حادثة إغلاق جمعية برج اللقلق طبيعة هذا المسار بوضوح، فالمكان الذي شكّل لسنوات مساحة مفتوحة للأطفال والشباب، ومجالًا للتعلم والتعبير، أُخرج من سياقه بقرار يحمل دلالات سياسية مباشرة.لا يتوقف الأثر هنا عند تعطّل الأنشطة، ليمتد إلى قطع استمرارية يومية كانت تحفظ علاقة الجيل بالمكان، هنا لا يقتصر الأمر على إغلاق موقع، بل إعادة تعريف الفضاء نفسه، عبر تقليص مساحات الحضور الطبيعي للفلسطينيين داخل مدينتهم، وتحويل هذا الحضور إلى حالة مشروطة.الحكواتي: نموذج لهشاشة الفضاء الثقافيضمن السياق ذاته، تؤكد التطورات الأخيرة والمتعلقة بمسرح الحكواتي أن ما يجري يتجاوز مؤسسة بعينها، فالمسرح الذي شكّل مساحة مركزية لسرد الحكاية الفلسطينية، يواجه اليوم قرارًا بحل جمعيته، إلى جانب تحديات مالية وقانونية وإدارية تمس استمراريته، هنا لا يتعلق الأمر بإجراء قانوني، بل يرتبط بمسار يعيد تعريف شروط وجود المؤسسات الفلسطينية في القدس، ولا يدور الحديث عن مؤسسة محددة، بل عن مصير الفضاء الذي يحتضن هذه الممارسات، وقدرته على الصمود كمساحة لإنتاج الحكاية وربط الناس بمدينتهم، في ظل ضغوط تعيد رسم حدود الفضاء والعمل الثقافي في القدس.إعادة تشكيل الشروط بدل المنعلا تبدو هذه الوقائع متفرقة إذا ما قُرئت ضمن ما يمكن تسميته بسياسة الاحتواء الثقافي، فهي لا تقوم على المنع المباشر فقط، بل على إعادة تشكيل شروط العمل الثقافي، حيث يُقبل النشاط حين يفقد سياقه، ويُقيَّد حين يحافظ عليه، في هذا الإطار، يُستخدم القانون لإعادة تنظيم المجال العام كحيّز تُحدَّد فيه شروط العمل ومضمونه، وبهذا، لا تُلغى الثقافة بالكامل، بل يُعاد توجيهها تدريجيًا، بما يقلّص قدرتها على التعبير عن سياقها الوطني والمحلي.تفكيك البنية الرمزيةإلى جانب ذلك، يتشكل مسار موازٍ يعيد تشكيل المدينة ثقافيًا، لا يحدث هذا عبر بناء مؤسسات بديله فحسب، بل عبر تفكيك البنية التي تنتجها المؤسسات الأهلية، فالمؤسسة الثقافية الأهلية في القدس تشكل نقطة تجمع لذاكرة وعلاقات وممارسات يومية، وحين تُستهدف هذه النقطة، يمتد الأثر إلى ما حولها، فيتراجع الحضور، وتضيق المساحات، ويُدفع الناس نحو بدائل لا تنبع من سياقهم، بل تُفرض ضمن شروط جديدة تؤثر في شكل الوعي الجمعي.الصمود عبر التكرارفي هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته (اقتصاد الاعتياد الثقافي)، أي الاعتماد على التكرار اليومي للأفعال الثقافية البسيطة للحفاظ على حضور الثقافة الفلسطينية في المدينة، فالثقافة في القدس لا تقوم على الأحداث الكبرى فقط، بل على ممارسات مستمرة (عرض، ورشة، لقاء، تدريب)، أو حضور متكرر في فضاء ثقافي، هذه الأفعال، مع تكرارها، تبني علاقة ثابتة بين الناس والمدينة، لكن هذا المسار يعتمد على استمرار المؤسسات، وحين تُستهدف هذه المؤسسات تباعًا، لا يتراجع النشاط فقط، بل تتقطع حلقات التكرار التي تحفظ هذه العلاقة، فيضعف أثرها تدريجيًا.إعادة تشكيل وعي الأجياللا يقتصر أثر هذه السياسات على الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل، فحين تُغلق المؤسسات التي تستقطب كافة شرائح المجتمع وعلى رأسهم (الأطفال والشباب)، نفقد مساحة يتشكل فيها وعي جيل كامل، ففي هذه المؤسسات تتكون علاقة الأفراد بمدينتهم، ويتعلمون كيف يفهمونها ويتفاعلون معها، ومع غيابها، يُعاد تشكيل هذا الوعي ضمن شروط مختلفة، تُضعف الصلة بالسياق المحلي، وتفتح المجال أمام أنماط ثقافية لا تنبع من التجربة اليومية للمدينة، بل تعيد تقديمها بروايات مغايرة، تعبر عن اقلية عربية في سياق استعماري.حماية الفضاء لا النشاطأمام هذا الواقع، لا يكفي الدفاع عن كل مؤسسة بشكل منفصل، فالتحدي يتصل ببنية المدينة الثقافية ككل،هذا يتطلب تضافر الجهود على مستوى المؤسسات نفسها، عبر تعزيز قدرتها القانونية والإدارية والمالية، ويتطلب أيضًا دورًا فاعلًا للمجتمع المحلي الذي يمنحها معناها، إلى جانب حضور المؤسسة الرسمية في توفير الغطاء والدعم، فالمعركة لم تعد على البرامج، بل على صمود الفضاء نفسه الذي يسمح بوجودها.الاستمرار كفعل ثقافي يوميتتشكل المواجهة في هذا السياق عبر قدرة المؤسسات على الاستمرار، فكل فعل ثقافي يُقدَّم يسهم في تثبيت حضور المدينة في وجه محاولات إعادة صياغتها، ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن لهذا الفعل اليومي أن يصمد وحده، إذا لم يتحول إلى وعي جمعي منظم، يدرك أن حماية المؤسسات الثقافية هي حماية لحق مدينة كاملة في أن تُنتج معناها، وأن تبقى مرئية في سرديتها الخاصة؟
إغلاق المؤسسات في القدس: مدخل لإعادة صياغة المدينة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)