الإثنين 04 مايو 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس
تاريخياً، كلما واجهت القوة المعتدية وسيلة قتالية تكسر عزلتها الجغرافية، لجأت إلى "العقاب الجماعي" وتوسيع رقعة المناطق المحروقة كخيار يائس لتعويض فشلها التكنولوجي، لكن في حالة مسيرات الألياف الضوئية، فإن المشكلة ليست جغرافية، بل فيزيائية تتصل بالرؤية والتحكم، فالبشر يميلون بطبيعتهم الى الخطوط لأنها تمنحهم وهما بالأمن والسيطرة، بينما تميل التكنولوجيا الحديثة إلى تحطيم هذه الأوهام، فتعيد تعريف الميدان وفق قواعد مغايرة تماماً.لعقود راهن الاحتلال على "الأشرطة الأمنية" بوصفها الترياق السحري لقلقه الدائم، فابتكر الكثير من المسميات، من المنطقة العازلة والجدار الفاصل والخط الأصفر وصولا الى إجراءات امنية متقدمة، لكن هذه العقلية بقيت حبيسة جوهر واحد، وهو إبعاد الخطر عشرات الكيلومترات عبر إعادة هندسة الجغرافيا.غير أن التحولات الجذرية في الحروب الحديثة باتت تسخر من هذا المنطق القديم، فما قيمة خط أصفر مرسوم على ورق، إذا كانت مسيرة انقضاضية بحجم كف اليد، تزن كيلو أو أكثر، قادرة على القفز فوقه والالتفاف حوله، والوصول إلى عمقه دون أن تقدر أحدث وسائل التكنولوجيا على رصدها أو اعتراضها، وإن حدث فعلى سبيل الصدفة.وبالتالي، فنحن أمام لحظة تاريخية يتعرض فيها مفهوم "التفوق التكنولوجي" الذي بنيت عليه العقيدة الأمنية لاختبارٍ قاسٍ، فيصبح السلاح الأكثر بساطة وأقل كلفة، قادراً على هزيمة المنظومات الأعقد والأكثر كلفة في العالم.هذه التطورات تتحول تدريجياً إلى معضلة استراتيجية تعصف بأسس "العقيدة الجدارية" التي استمرت لعقود وابتلعت المليارات، من بناء جدران إسمنتية وأسيجة إلكترونية معقدة، مدفوعة بذهنية تعتبر أن "الفصل المادي" هو الضامن الوحيد للأمن، لكن دخول مسيرات الألياف الضوئية ومنظومات الانقضاض الصامتة الى هذه الساحات، سيعني تحول الجدران من أصول دفاعية إلى "نصب تذكارية" لاستراتيجيات تجاوزها الزمن.ففي الضفة الغربية، حيث تتداخل الجغرافيا وتتقارب المسافات حد التماس، قد تصبح خيارات "المناطق العازلة" مستحيلة، وجدار الفصل العنصري سيفقد وظيفته الاساسية، إذ يمكن لمسيرة أن تنطلق من نافذة منزل لتصيب هدفاً خلال ثوان، دون أن تترك أثراً راديوياً تلتقطه الرادارات، وهنا سيجد الاحتلال نفسه أمام خيارات أحلاها مر، مكلفة عسكرياً واقتصادياً، وبعضها مستحيل، كالسيطرة على "النوايا"، أو التسليم بانهيار مفهوم "الأمن" خلف جدر.والأمر ذاته في غزة، فـ "الخط الاصفر" الذي يجري تثبيته، قد يتحول إلى ساحة صيد مفتوحة، أمام مسيرات لا تتأثر بحروب التشويش الإلكتروني، ما يعني أن كل آلية عسكرية أو نقطة مراقبة ستصبح هدفا دائماً، فيما تنحصر خيارات الاحتلال بالحماية الموضعية، أي عبر منظومة دفاعية لكل هدف بدل التغطية الواسعة، أو اللجوء للوسائل البدائية، كزراعة شباك معدنية فوق كل آلية، وهو حل تقني لكنه يلهث خلف التطورات المتسارعة ولا يسبقها بحال من الأحوال.لذا، فإن السؤال هو: هل سيضطر الاحتلال إلى إدراك أن الأمن لا تصنعه التكنولوجيا، بل الواقع السياسي، وأن استمرار المقاومة في تطوير وسائلها سيجعل من فكرة "المناطق العازلة" مجرد استنزاف للموارد، وسيدفعه لمواجهة حقيقةٍ هرب لأكثر من سبعة عقود، فالجدران مهما علت، لا يمكنها حجب إرادة تخترقها خلال ثوان، وعبر خيطٍ من حرير.
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)