حين نتحدث عن أزمة التعليم، غالبًا ما نبدأ بالمناهج، أو التمويل، أو البنية التحتية. لكن الحقيقة أن كل هذه العناصر-على أهميتها- تدور حول محور واحد: المعلّم. في الحالة الفلسطينية لا يمكن فهم دور المعلّم خارج سياقها السياسي والوطني. نحن لا نتحدث عن نظام تعليمي يعمل في ظروف عادية، بل عن تعليم يعمل تحت احتلال يسعى -بشكل مباشر وغير مباشر- إلى إضعاف كل ما يُنتج الوعي والاستمرار. وهنا، يتغير السؤال. لم يعد السؤال: كيف نطوّر أداء المعلّم؟ بل: ما الذي يجعل المعلّم يستمر أصلًا رغم كل ما يحيط به؟ لأن ما يقوم به المعلّم الفلسطيني يتجاوز بكثير حدود "الوظيفة". هو يعمل في بيئة مضغوطة: أزمة اقتصادية، توتر سياسي، انقطاعات، بيئة نفسية هشّة، وواقع غير مستقر. ومع ذلك، يستمر. هذا الاستمرار لا يمكن تفسيره بمنطق إداري فقط. لا يمكن اختزاله في راتب، أو نظام دوام، أو التزام مهني تقليدي. التفسير الأعمق هو: الانتماء الوطني. ليس كشعار يُرفع، بل كقوة دافعة يومية، تجعل المعلّم يرى في ما يقوم به أكثر من عمل. يرى فيه دورًا في حماية المجتمع، وفي بناء وعي الجيل القادم، وفي الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الواقع. وهنا، يتحول المعلّم من "موظف" إلى فاعل في مشروع وطني. حين يدخل المعلّم إلى الصف، هو لا يواجه فقط فروقًا تعليمية، بل يواجه آثار واقع سياسي قاسٍ على طلبته. طالب جاء من اقتحام، آخر من بيئة قلق اقتصادي، وثالث بدأ يفقد إيمانه بجدوى التعليم. وفي هذه اللحظة، لا يكون التعليم مجرد شرح درس، بل محاولة لإبقاء العلاقة قائمة بين الطالب والحياة. هذا الدور لا تفسره اللوائح الوظيفية، بل تفسره البوصلة الداخلية للمعلّم. الانتماء الوطني هنا ليس إضافة عاطفية، بل شرط لفهم السلوك. بدونه، يبدو ما يقوم به المعلّم "مبالغًا فيه" أو "فوق طاقته". أما معه، فيصبح مفهومًا: هو يدرك أن تعليم طالب اليوم هو استثمار في بقاء المجتمع نفسه. لهذا، فإن اختزال المعلّم في وصفه الوظيفي هو خطأ مزدوج: إداري ووطني. إداري لأنه لا يعكس حقيقة ما يقوم به، ووطني لأنه يُفرغ هذا الدور من معناه الأعمق. لكن المشكلة أن هذا الدور-رغم وضوحه-لا يُترجم إلى سياسات. نطلب من المعلّم أن يكون حاملًا لهذه الرسالة، لكننا لا نبني حوله منظومة تعترف بها. لا في التدريب، ولا في التقييم، ولا في الدعم. وهنا تتشكل فجوة خطيرة: بين ما يقوم به المعلّم فعليًا، وما يُطلب منه رسميًا. هذه الفجوة تُنتج استنزافًا، لأن الاعتماد على الانتماء الوطني وحده، دون دعم مؤسسي، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. حتى أكثر الأشخاص التزامًا يحتاج إلى بيئة تحميه. وهنا، يصبح المطلوب ليس فقط تقدير المعلّم، بل إعادة بناء المنظومة حول دوره الحقيقي. أولًا: الاعتراف بأن المعلّم في الحالة الفلسطينية هو جزء من معادلة الصمود، لا عنصر تنفيذي فقط. ثانيًا: تصميم برامج تدريب تتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُفترض أن يكون، بما يشمل التعامل مع الصدمات، وإدارة الصف في بيئات ضاغطة. ثالثًا: تطوير نظام تقييم يأخذ بعين الاعتبار قدرة المعلّم على الحفاظ على استمرارية التعلم، لا فقط نتائج الامتحانات. رابعًا: تقديم دعم نفسي ومهني حقيقي للمعلّم، لأن من يعمل تحت الضغط يحتاج إلى من يدعمه، لا من يحمّله أكثر. خامسًا: إشراك المعلّم في صناعة القرار التربوي، لأنه الأقرب إلى الواقع، والأقدر على فهم ما يحدث فعليًا داخل الصف. في النهاية، لا يمكن فصل التعليم في فلسطين عن السياق الوطني. ولا يمكن فهم دور المعلّم دون إدراك أنه يعمل في مساحة تتقاطع فيها التربية مع السياسة، والمعرفة مع الصمود، والتعليم مع الوجود. المعلّم الفلسطيني ليس موظفًا عاديًا في ظرف استثنائي. هو حامل رسالة تتجاوز الوظيفة. لكن هذه الرسالة لا يجب أن تبقى عبئًا فرديًا. يجب أن تتحول إلى سياسة عامة تعترف بها، وتبني عليها، وتحميها، لأن السؤال لم يعد: هل المعلّم موظف أم قائد مجتمعي؟ بل: كيف نحمي هذا القائد وهو يؤدي دورًا يتجاوز حدود الوظيفة؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
💬 التعليقات (0)