f 𝕏 W
لستُ بالفعلِ صحفيّاً

أمد للاعلام

صحة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

لستُ بالفعلِ صحفيّاً

وتكتب، كالزُّمار الذي يموت وأصابعه تلعب، والكاتب أيضاً يموت

أمد/ لا أدري على نحو الدقة متى تم وصفي بالصحفي لأوّل مرّة، لم أستسغ هذا الوصف، لأنني بالفعل لستُ صحفياً، ولمعرفتي أنّ الصحفي غيـر الكاتب في المهمة والأسلوب والرسالة، فإن خلا أحياناً الكاتب من الرسالة وتحمُّل تبعات معينة، فإن الصحفي يجب ألا يخلو من الرسالة؛ أيْ الهدف السامي من وراء عمله كله، مجملاً ومفصلاً، أما الكاتب فقد يكون أحياناً مجرداً من الهدف، إذ يكتب لمجرد أنه يمارس هوايته، ويحب صنعة الكتابة، هكذا أفعل، وبهذا وشبيهه يبوح الكتّاب في حواراتهم أو شهاداتهم الإبداعية، فكونك كاتباً يجب أن تظلّ أصابعك عاملة وتكتب، كالزُّمار الذي يموت وأصابعه تلعب، والكاتب أيضاً يموت والقلم بين إصبعيه، حتى لو كانت كتاباتك لا طائل من ورائها، فالكتّاب يكتبون أو يمارسون عملهم يوميّاً، ولا أحد يدفعهم إلى ذلك سوى أن الكتابة كفعل إذا لم تتحقق دوماً، وإن لم تظل الأفكار في "خضّ ورجّ" سيعاني الكاتب يوماً بعد يومٍ من عسر في الكتابة، وسيؤول إلى التوقف، لذلك قالت العرب: "ثلاثة تسهل بالعادة: الكتابة والخطابة والصلاة".

وعليه، فالصحفي غير الكاتب من هذه الناحية، ومن ناحية أخرى، فالكتابة ليست مهنة، كما تكون الصحافة مهنة للعامل فيها، فأنا لا أتكسّب من الكتابة قاصداً أن تدرّ عليّ مالاً، كما لا يعاني الصحفي من "مأزق الصفحة البيضاء" كما يعاني الكاتب، فكل أمر طارئ يصلح للعمل الصحفي، لكن ليس كل فكرة صالحة لتكون عملاً أدبياً، ولذلك هناك فرق عملي بين "السبق الصحفي" والفكرة الجديدة غير المطروقة، وليست فقط الفكرة المطروقة هي ما يبحث عنه الكاتب إنما الأساليب والتقنيات المبتكرة هي التي تعنيه في كثير من الأحيان.

إنّ الصحفي بحكم عمله في الأخبار، جمعاً وتحليلاً، يكون معنياً بلغة سهلة بسيطة متقشفة، لا يستطرد، ولا يزخرف، ولا يتأنق في الأسلوب، يلتـزم بالحد المقبول من أساسيات الكتابة؛ الصحة اللغوية، واللفظ البسيط، والتركيب المؤدي للمعنى المباشر، هذه هي لغة الصحفي، فلو حاول التأنق بألوان البلاغة لصار أسلوبه منفراً غيـر عذب، إذ إن المطلوب منه ليس هذا، بل عليه تقديم المعنى بأقل لفظ ممكن وبطريقة سهلة. أما الكاتب فهو يتعمد التأنق والتجويد وتوظيف البلاغة وألوانها، ويحاول بكل قدرته الفنية أن يقول للمتلقي ها أنت أمام المعنى الذي تعرفه، ولكن بثوب جميل، ها أنت أمام ما يقوله الصحفي ولكن بطريقة أكثر متعة وأكثر تشويقاً وأقل ألماً. نعم أقل ألماً. لأنها أبعد عن المباشرة، ولذلك ثمّة خوف ناشئ يتولّد في نفوس الكتّاب المشتغلين بالصحافة من أن تجرّهم الكتابة الصحفية إلى لغة أخرى يتنازل فيها الكاتب شيئاً فشيئاً عن أسلوبه الأدبي المتأنق الشفّاف المغموس في البيان والبديع وألوان الجمال البلاغي اللفظي والمعنوي.

تعالوا نرى حادثة ما بزاويتين: الصحفية والأدبية؛ ولنأخذ مثلاً قضية "ريا وسكينة"، تلك القضية التي شاعت في مصر، لامرأتين حقيقيتين كانتا تقتلان الضحية وتسلبان ما معها من مصاغ. هذا خبر صحفي مؤلم جداً، قرئ في صفحة الحوادث في الجرائد المصرية، فتعاطف القراء مع النساء الضحايا، وتوجّعوا لما حل بهنّ، وتشبعوا بكل مشاعر الكره تجاه الجانيتين؛ ريا وسكينة، وسعوا إلى أن يحل بهما الجزاء العادل، بل وأشاعت القصة رعباً في نفوس الناس؛ فربّما كان أحدهم ضحية قادمة.

هذا الحدث المؤلم، عندما تحول إلى مسرحية، اختلطت النواحي التراجيدية بالكوميدية، ووضعت المشاهدين بأجواء بعيدة عن مسرح الجريمة، أبعدت الجريمة الحقيقية عن مسرح العرض، مع أنها لم تتلاشَ نهائياً، ولكن كان للعناصر المسرحية المختلفة وأداء الممثلين دور كبيـر في أننا أحببنا ريا وسكينة المسرحيتين وكرهنا ريا وسكينة المجرمتين. فليس مهمة الأدب البحث عن العدالة، ولكن بلا شك من مهامه التي لا يتنازل عنها هو تحقيق المتعة، ولم يبق في ذهن المشاهد سوى تلك المواقف المضحكة، ويكاد يتذكر ما يشير إليه النص أو العرض من مآسٍ إنسانية.

إن كل الأعمال الأدبية ذات سند واقعي صحفي، ولكنها تأخذ لغة الصحافة إلى ما هو أبعد من حدودها الجُرْمية والقانونية، ولو بحث المرء لوجد ذلك- مثالاً لا حصراً- في أعمال غسان كنفاني، وخاصة "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا"، وهذا لا يعني أن إحدى اللغتين لغة عليا والأخرى لغة دنيا، بل يعني أن لكل لغة طبيعة خاصة، فإذا دخلت إحداهما على الأخرى أفسدت العمل حتماً، فالعمل الصحفي المكتوب بلغة أدبية أراه عملاً رديئاً، كما أن العمل الأدبي المكتوب بلغة صحفية رديء كذلك، وليعطَ لكل ذي حق حقه.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من أمد للاعلام

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)