أمد/ في العلاقات الدولية والنظام الدولي المعاصر، تتباين قدرة الدول على تشكيل بيئتها الاستراتيجية وصياغة قواعد اللعبة الدولية؛ فبينما تتمتع قوى دولية وإقليمية معينة بهامش واسع من المبادرة والقدرة على "الفعل"، أي وضع الأجندات واستباق الأحداث وتوجيه مسار التفاعلات الدولية، تقبع دول أخرى في مساحة أضيق بكثير هي مساحة "رد الفعل"، حيث تنحصر استجاباتها في التعامل مع وقائع يفرضها الآخرون، وأزمات تتوالى دون تمكينها من التأثير في مسبباتها العميقة. الإشكالية ليست جديدة، فقد أشار ريتشارد روزكرانس في عمله الكلاسيكي "الفعل ورد الفعل في السياسة العالمية" (1963) إلى أن ديناميات النظام الدولي تفهم من خلال أنماط المبادرة والاستجابة بين القوى المختلفة. غير أن هذه الثنائية بين الفعل ورد الفعل تعمقت وتشابكت في العقود الأخيرة بفعل عوامل بنيوية عدة مثل اتساع الفجوة بين دول المركز ودول الأطراف، تحول طبيعة التهديدات إلى أشكال هجينة ومعقدة تتجاوز قدرات الدول الضعيفة، تعاظم دور الفواعل من غير الدول، وتزايد الاعتماد المتبادل غير المتماثل الذي يجعل بعض الدول أكثر عرضة للاختراق الخارجي من غيرها. سؤال إشكالي في ضوء هذا السياق، يمكن صياغة السؤال الإشكالي المحوري على النحو التالي: لماذا تنزلق دول عديدة، وبخاصة في الجنوب العالمي والعالم العربي تحديداً، إلى مساحة "رد الفعل" بدل "الفعل" في علاقاتها الدولية؛ وهل هذا الانحسار في الهامش الاستراتيجي للمبادرة هو قدر بنيوي محتوم تفرضه موازين القوى غير المتكافئة في النظام الدولي؛ أم أنه نتاج خيارات سياسية داخلية وإخفاقات في بناء القدرات الذاتية يمكن تجاوزها؛ وبأي معنى تتحول "استراتيجيات رد الفعل" ذاتها، رغم محدوديتها، إلى وسيلة عقلانية لضمان البقاء في سياقات تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع هشاشة داخلية مركبة. ينبثق عن هذا السؤال أسئلة فرعية لا تقل أهمية؛ كيف تعيد الصراعات الهجينة والحروب بالوكالة والضغوط الاقتصادية إنتاج تموضع الدول الضعيفة في موقع الطرف "المستجيب" دوماً لا "المبادر"؛ وهل يمكن الحديث عن "فاعلية" حقيقية لدول الجنوب في النظام الدولي، أم أن الأمر لا يعدو كونه تكيفاً سلبياً مع إملاءات القوى الكبرى؛ وما هي الاستراتيجيات التي يمكن أن تنتقل بها الدول من حالة "رد الفعل" المزمن إلى حالة "الفعل" المبادر، إن كانت هذه النقلة ممكنة أصلاً. أولاً: الفعل ورد الفعل-تحديد المفهومين في سياق العلاقات الدولية لفهم الإشكالية بعمق، لا بد من تحديد ما نعنيه بمفهوم"الفعل" ومفهوم"رد الفعل" في المجال الدولي. 1-الفعل الاستراتيجي : هو قدرة الدولة على المبادرة المستقلة لصياغة البيئة الدولية بما يخدم مصالحها، ويشمل ذلك؛ وضع الأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية الدولية، استباق التهديدات عبر بناء تحالفات وآليات وقائية، تصميم المؤسسات والقواعد والمعايير الدولية أو التأثير الجوهري في صياغتها، وتوجيه مسارات الصراع والتعاون وفق رؤيتها الخاصة؛إنه في جوهره ممارسة للسيادة بمعناها الإيجابي الكامل، حيث لا تكتفي الدولة بحماية حدودها، بل تمتد لتشكيل فضاء مصالحها الاستراتيجي دوليا. 2-رد الفعل في المقابل: هو نمط من السلوك الدولي تضطر فيه الدولة إلى الاستجابة لوقائع وتطورات يفرضها فاعلون آخرون، دون أن تكون شريكاً في صنع هذه الوقائع أو قادرة على التحكم في توقيتها واتجاهاتها؛ يتميز بخصائص أساسية هي طابع دفاعي أو تكيفي، حيث تتحدد الخيارات بناءً على ما قام به الآخرون؛ ضيق في هامش المناورة الزمني والسياسي؛ تركيز على إدارة الأزمات لا على استباقها أو منعها؛ واعتماد على الموارد والإمكانات المتاحة وقت الأزمة، لا على استثمار استراتيجي طويل النفس. من المهم الإشارة إلى أن ثنائية الفعل ورد الفعل ليست مطلقة. ففي الواقع الدولي، تمارس كل الدول مزيجاً من الاثنين، وتختلف النسب وفقاً لموازين القوى وطبيعة النظام السياسي الداخلي ودرجة التماسك المؤسسي؛لكن الفارق الجوهري بين الدول "الفاعلة" والدول "المتفاعلة" يكمن في المدى الذي تستطيع فيه الدولة نقل موقعها على هذا المتصل من الاستجابة الدائمة إلى المبادرة المتزايدة. ثانياً: الأسباب البنيوية لانحسار الفعل؛لماذا يضيق هامش المبادرة. يمكن تحليل العوامل التي تدفع الدول إلى دوامة "رد الفعل" على ثلاثة مستويات متداخلة، يتغذى كل منها على الآخر في علاقة دائرية تعمق المأزق. -على المستوى الدولي البنيوي، يشكل التفاوت الصارخ في القوة المادية والعسكرية والمالية بين دول المركز ودول الأطراف العامل الأكثر وضوحاً في تفسير انحسار الفعل. فالنظام الدولي ليس فضاءً متكافئاً، بل هو نظام هرمي تهيمن فيه قوى كبرى على المؤسسات المالية والنقدية الدولية، وعلى وضع المعايير والقواعد التي تحكم التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا. دول كالولايات المتحدة والصين وروسيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي ككتلة، تمتلك قدرة على "صنع الأجندة" لا مجرد التفاعل معها. في المقابل، تجد دول الجنوب نفسها في موقع المتلقي للقواعد، مطالبة بالتكيف مع أولويات تمويلية وبرامج إصلاح يفرضها آخرون،مثال (برامج التكيف الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي لعقود هي النموذج الأكثر دلالة). هذا التفاوت البنيوي لا ينتج فقط فجوة في الموارد، بل ينتج ما يمكن تسميته "فجوة في زمن المبادرة"؛ فالدول القوية تخطط لعقود، بينما تضطر الدول الضعيفة لإطفاء حرائق آنية. -على المستوى الإقليمي، يشكل اختراق البيئة الإقليمية بالصراعات المزمنة والتنافس على مناطق النفوذ عاملاً مضاعفاً؛ في الشرق الأوسط تحديداً، تحولت المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية عبر الحروب بالوكالة. في ليبيا وسوريا واليمن والعراق والسودان، لم تعد الصراعات "أهلية" أو "داخلية" خالصة، بل أصبحت ساحات مفتوحة تتداخل فيها أيادي خارجية متعددة. في مثل هذه البيئة، تصبح الدول المعنية أسيرة إيقاع الصراع؛ مواردها تُستنزف في إدارة التداعيات الأمنية والإنسانية العاجلة، وتضيق مساحة التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. والأخطر أن هشاشة مؤسسات العمل العربي المشترك (جامعة الدول العربية نموذجاً) تحرم الدول العربية من الحد الأدنى من "الفعل الجماعي" الذي كان يمكن أن يشكل رافعة لاستعادة المبادرة؛ فعندما يغيب البيت الداخلي المتماسك، يصبح كل طرف مفرداً لقمة سائغة للتدخلات الخارجية. -على المستوى المحلي الداخلي، وهو المستوى الأكثر أهمية والأقل نقاشاً في كثير من الأحيان، تكمن جذور الإشكالية في طبيعة بناء الدولة ونمط الحكم مثل ضعف المؤسسات، الفساد المستشري، الريع بدل الإنتاج، غياب المشروع الوطني الجامع الذي يتجاوز الولاءات الأولية الضيقة (طائفية، إثنية، قبلية،عشائرية، محسوبية)، كلها عوامل تنتج دولاً هشة من الداخل، وبالتالي عاجزة عن المبادرة في الخارج؛فالسيادة التي تتآكل من الداخل بفعل الفساد وغياب العدالة وضعف التماسك الاجتماعي لا يمكن أن تتحول فجأة إلى سيادة فاعلة على المستوى الخارجي. وكما أن الحرب الهجينة تستهدف الثقة بين المواطن والدولة، فإن غياب هذه الثقة هو الذي يحول الدولة إلى كيان "متفاعل" لا "فاعل"، يلهث وراء استرضاء الخارج لأنه عاجز عن تعبئة الداخل. هذا التداخل بين المستويات الثلاثة يخلق ما يمكن تسميته "فخ رد الفعل"؛ حلقة مفرغة حيث يؤدي ضعف المبادرة إلى مزيد من التآكل في السيادة والقدرة على الفعل، مما يعمق بدوره الاعتماد على الخارج ويضاعف الهشاشة الداخلية،و الخروج من هذا الفخ يتطلب فهماً دقيقاً لآلياته، وهو ما ستتناوله الأقسام التالية. ثالثاً: تجليات ظاهرة "رد الفعل" في العالم العربي؛ حالات من المختبر الإقليمي يمكن تلمس هيمنة منطق "رد الفعل" على السياسات العربية من خلال نماذج وأنماط متعددة، تقدم دراسات حالة دالة في هذا السياق وهي كما يلي: النمط الأول: التفاعل مع الأزمات لا استباقها. لا تكاد توجد حالة عربية يمكن فيها الحديث عن استراتيجية استباقية للتعامل مع التهديدات قبل استفحالها. ففي ليبيا، واليمن، وسوريا، والسودان،الانقسام الفلسطيني بين الضفة وغزة، لم تتحرك الآليات العربية إلا بعد أن وصلت الأزمات إلى مراحل متقدمة من التفكك والانهيار، وكان التحرك في معظمه موجهاً نحو احتواء التداعيات لا معالجة الجذور. وكثيراً ما كان التدخل العربي نفسه مشروطاً بضوء أخضر دولي أو بموازين قوى إقليمية تفرض إيقاعها، مما يعكس هامشاً ضيقاً من الاستقلالية في الفعل العربي. النمط الثاني: استراتيجيات الحفاظ على النظام لا بناء الدولة. توصلت أطروحة أكاديمية مهمة تناولت استراتيجيات "المثلث العربي" (السعودية، مصر، سوريا) بعد غزو العراق عام 2003 إلى نتيجة لافتة؛ الهدف الأساسي للاستراتيجيات التي انتهجتها هذه الدول لم يكن التأثير في مسار الأحداث الإقليمية بقدر ما كان "ضمان بقاء النظام". وقد وصفت الدراسة هذه الاستراتيجيات بأنها "استراتيجيات رد الفعل"، حيث تشكلت من سلسلة قرارات واستجابات فورية ومترابطة فرضتها تطورات الأزمة العراقية، دون أن تمتلك هذه الدول ترف التخطيط المسبق. هذا التحليل يكشف أن هاجس "البقاء" قد يدفع النخب الحاكمة إلى تبني سياسات خارجية دفاعية في جوهرها، حتى وإن بدت في ظاهرها مبادِرة. وقد طورت كل دولة استراتيجيتها الخاصة؛ السعودية "استراتيجية تمكين"، ومصر "استراتيجية مهايأة"، وسوريا "استراتيجية ترقب وانقضاض". وهذه التسميات تشير إلى أن "رد الفعل" ذاته يمكن أن يكون ميداناً للإبداع الاستراتيجي والمناورة، شرط توفر الحد الأدنى من الرؤية والموارد المؤسسية. النمط الثالث: إدارة الصراع بدل صنع السلام. في ملفات كبرى كالقضية الفلسطينية، يمكن ملاحظة التحول من موقع المبادرة (في مراحل التحرر الوطني) إلى موقع رد الفعل على المبادرات الخارجية (اتفاقيات أوسلو، صفقة القرن، معاهدات إبراهيم؛أضف عليها الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس)؛الديناميكية نفسها تنسحب على ملفات إقليمية أخرى، إذ تحولت الدول العربية المعنية إلى "مدراء أزمات" يجرون وراء تداعيات الأحداث، بدل أن يكونوا "صانعي سلام" يمتلكون رؤية ومشروعاً أي صانعي الحدث وليس العكس. النمط الرابع: نمط الوساطة الخارجية في الأزمات العربية. دراسة حالة عن الوساطة الأوروبية في مصر بين 2011 و2013 تكشف عن "حدود إدارة الصراع التفاعلية"، حيث وجد الاتحاد الأوروبي نفسه محكوماً بإيقاع الأحداث الداخلية المصرية المتسارعة، التي كانت بطبيعتها "محلية" و"غير متماثلة" بين الأطراف. هذا النمط ،حيث يصبح الفاعل الخارجي بدوره في موقع "رد الفعل"؛ يشير إلى عمق الأزمة؛ فعندما تكون الأحداث الداخلية متسارعة والفواعل الدولية متفاعلة، تضيع فرص المبادرة المنظمة من الجميع. الفاعل الخارجي هنا لم يستطع فرض إيقاعه، لكنه أيضاً لم يمنح الفاعلين المحليين مساحة للمبادرة الحقيقية، بل بقي الجميع في فضاء تفاعلي يلهث وراء حدث لا يتحكم فيه أحد. رابعاً: من رد الفعل إلى الفعل المبادر؛هل هناك مسالك للخروج من الفخ. هل يعني هذا التحليل أن الموقع التفاعلي هو قدر محتوم على الدول العربية ودول الجنوب؛ الطبيعي انه ليس بالضرورة ان يكون محتوم؛ الأدبيات الحديثة حول "فاعلية الجنوب" تقدم منظوراً أكثر تعقيداً، يتجاوز ثنائية الهيمنة المطلقة والتبعية المطلقة لعدة أسباب: أولاً: مفهوم "الفاعلية المؤسسية الجنوبية". تشير دراسة حديثة حول منتدى حوار الهند-البرازيل-جنوب أفريقيا (IBSA) إلى أن دول الجنوب يمكنها تطوير ما يسمى "الفاعلية المؤسسية الجنوبية"، أي القدرة على التأثير في المخرجات المؤسسية رغم القيود الهيكلية والتسلسل الهرمي المعياري. وهذا يتم عبر عدة آليات مثل بناء تحالفات على أساس قضايا محددة وليس تحالفات شاملة فضفاضة، التدخلات الإجرائية الذكية لتشكيل قواعد اللعبة داخل المؤسسات الدولية، وتعزيز معايير العدالة والمساواة كمعايير مضادة للمعايير التي تكرس الهيمنة من دول المركز. تخلص الدراسة إلى نقطة بالغة الأهمية هي أن "تجزؤ الحوكمة العالمية"، الذي غالباً ما يُنظر إليه باعتباره عبئاً ومصدر فوضى، يمكن أن يفتح في الواقع "مساحات للتدخلات الإجرائية والمعيارية من قبل الفاعلين الجنوبيين من دول الجنوب طبعا"؛ فالفوضى الجزئية للنظام الدولي الراهن، بتناقضاته وتعدد مراكزه، تخلق شقوقاً يمكن للفاعلين الأصغر أن يتسللوا من خلالها، شرط أن يمتلكوا رؤية واضحة وإرادة سياسية وقرار مستقل غير تابع لدول المركز. ثانياً: من "استراتيجيات رد الفعل" إلى "استراتيجيات تكيفية نشطة". بالعودة إلى دراسة "المثلث العربي" بعد غزو العراق، نلاحظ أن ما وُصف باستراتيجيات رد الفعل لم يكن مجرد خضوع سلبي لإملاءات القوة الأعلى، بل تضمن أشكالاً من التكيف النشط مع البيئة الاستراتيجية. فالسعودية طورت استراتيجية تقوم على تمكين حلفائها في الداخل العراقي، ومصر سعت إلى(التماشي)عبر مهايأة القوة المحتلة بما يحفظ الحد الأدنى من مصالحها، وسوريا تبنت استراتيجية ترقب وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على الفرص. هذا كله يشير إلى أن "رد الفعل" ليس كتلة واحدة، بل يمكن أن يكون سلبياً خانعاً، أو نشطاً متكيفاً. والانتقال من الأول إلى الثاني هو الخطوة الأولى على طريق استعادة زمام المبادرة. ثالثاً: استعادة الفعل من الداخل قبل الخارج. تقدم دراسة حديثة عن فاعلية الدول الأفريقية في النظام الدولي، باتخاذ الكونغو الديمقراطية حالة دراسية، خلاصة منهجية مهمة هي، أن الفاعلية الحقيقية لدول الجنوب تكمن في "قدرة النخب السياسية على بلورة أهدافها واستراتيجياتها وهيكلة أفعالها لتحقيق نتائج مواتية". بكلمات أخرى، الفعل لا يبدأ من الخارج، بل من (الداخل)، من القدرة على صياغة مشروع وطني يجيب عن السؤال الأصعب؛ ماذا نريد، وكيف نريد أن نكون في هذا العالم؛ ولاشك أن الدول التي تفتقر إلى هذا المشروع تظل عاجزة عن المبادرة حتى لو توفرت لها إمكانات مادية كبيرة، لأنها ببساطة لا تعرف ماذا تريد. رابعاً: دروس من تجارب دولية أخرى. تجارب دول مثل فيتنام وإندونيسيا وماليزيا ورواندا في العقود الأخيرة تظهر أن الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع( المبادرة ) ممكن، لكنه يتطلب شروطاً مترابطة، مثل بناء قاعدة إنتاجية مستقلة تقلل الاعتماد على الخارج وتحول الدولة من موقع المتلقي للمساعدات إلى موقع "الشريك التجاري"، والاستثمار الجاد في رأس المال البشري والتعليم النقدي الذي ينتج مواطناً قادراً على التمييز بين الخطابات لا مجرد متلقٍ سلبي للتعبئة، وتطوير قدرات دبلوماسية مؤسسية تتجاوز الشخصنة والفردية في إدارة العلاقات الخارجية، وبناء إجماع وطني حول مشروع تنموي طويل النفس تتوارثه الأجيال ولا يتغير بتغير الحكومات. ختاما،نحو استراتيجيات مركبة لاستعادة زمام المبادرة. في نهاية تحليل هذا المقال المتواضع، يتأكد أن إشكالية "رد الفعل" ليست قدراً غيبياً محتوماً تفرضه بنية النظام الدولي وحدها، بل هي نتاج تداخل عوامل بنيوية دولية وإقليمية مع اختلالات (داخلية) يمكن معالجتها؛ غير أن الخروج من هذه الوضعية ليس سهلاً ولا سريعاً، بل يتطلب وعياً استراتيجياً بطبيعة "الفخ" أولاً، ثم بلورة استراتيجيات مركبة ومتضافرة. -أول هذه الاستراتيجيات هو تقوية "الجبهة الداخلية" ،عبر إصلاح مؤسسي حقيقي ينتج دولة قادرة على تقديم الخدمات والعدالة لمواطنيها، فيستعيد العقد الاجتماعي تماسكه؛ سيما وأن دولة يفقد فيها المواطن الثقة بمؤسساته، لا يمكنها أن تتحول إلى فاعل دولي مؤثر. -الاستراتيجية الثانية هي بناء تحالفات (جنوبية-جنوبية)، فاعلة تتجاوز الشعارات الفضفاضة إلى المشاريع الملموسة في مجالات محددة؛ مثل الأمن السيبراني المشترك، التعاون التكنولوجي والعلمي، التكتلات الاقتصادية القطاعية؛ مثال ذلك تجربة منتدى إبسا (IBSA) التي تقدم نموذجاً مصغراً لما يمكن أن تكون عليه تحالفات جنوبية مركزة وفاعلة. -الاستراتيجية الثالثة هي استثمار الفرص التي تتيحها "فوضى" النظام الدولي الراهن وتجزؤه لإعادة التفاوض على شروط الانخراط فيه. ففي لحظات الانتقال والاضطراب التي يمر بها النظام الدولي، تضيق هوامش القوى الكبرى ويتسع هامش القوى الصغرى والوسطى، شرط أن تمتلك الأخيرة رؤية واضحة ومبادرة. -الاستراتيجية الرابعة هي تطوير خطاب سيادي جديد لا يكتفي بالدفاع عن "الحق" و"السيادة" في مواجهة التدخلات، بل يبادر إلى اقتراح "قواعد جديدة" للعبة الدولية، ويشارك في إنتاج المعايير البديلة في مجالات كالأمن السيبراني، والديون، والبيئة، والتنمية البشرية والاقتصادية وغيرها. وكما أن "رد الفعل" الذكي والنشط يمكن أن يكون خطوة أولى على طريق استعادة المبادرة، فإن "الفعل" الحقيقي لا يقاس فقط بالقدرة على فرض الإرادة على الآخرين، بل يقاس أولاً وقبل كل شيء بالقدرة على بناء نموذج تنموي وحضاري يحمي المصالح الوطنية ويحقق الرفاه للمواطنين، ويجعل الدولة "فاعلاً" يُحتذى لا "مفعولاً به" يُستباح. اخيراً يمكن القول، ان الدولة التي تنجح في بناء الداخل تصبح تلقائياً رقماً صعباً في معادلات الخارج، وتنتقل من موقع انتظار ما يفعله الآخرون بها إلى موقع صنع ما تريده لنفسها؛بهذا المعنى، الطريق إلى "الفعل" يبدأ من الداخل، من الإرادة الجمعية، ومن القدرة على صياغة مشروع وطني يجيب عن السؤال الوجودي الأصعب: ماذا نريد أن نكون في هذا العالم؛صانعي فعل استراتيجي ام نبقى مختبئين خلف ردة الفعل.
السيسي يوجه الحكومة بتأمين مخزون استراتيجي وسط التوترات الإقليمية والدولية
اليوم 66..حرب إيران تدخل منعطف جديد مع مقترح الـ 14 بند وتردد ترامب
حكومة نتنياهو تصادق على شراء سربين جديدين من مقاتلات "إف-15" و"إف-35"
في هجوم جديد..كارلسون: لا ينبغي لأمريكا أن تتصرف وفقا لمصلحة دولة صغيرة
بلومبيرغ: إم إس سي تطلق مسار شحن تجاري جديد يتجاوز مضيق هرمز
💬 التعليقات (0)