أمد/ لم تعد القمم العربية، في وعي الشارع العربي كما في حسابات النخب، حدثًا استثنائيًا يُنتظر بترقّب، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى محطة بروتوكولية تعيد إنتاج الخطاب أكثر مما تصنع القرار. هنا لا تكمن الإشكالية في غياب القمم، بل في غياب أثرها. فهل نحن أمام أفول “ديبلوماسية القمم”، أم أمام عجزٍ عربيٍّ مركّب أفقدها معناها؟ منذ تأسيس جامعة الدول العربية، كانت القمم تمثّل الإطار الأعلى لتنسيق المواقف وصياغة الحد الأدنى من التوافق العربي. لكنها، وعلى امتداد عقود، ظلّت أسيرة معادلة صعبة: طموح سياسي كبير، وأدوات تنفيذ محدودة. ومع تحولات الإقليم والعالم، اتسعت الفجوة بين ما يُقال في القمم وما يُنجز على الأرض، حتى باتت القمة أحيانًا تعبيرًا عن التباين لا عن الوحدة. لقد تبدّلت طبيعة التحديات. لم تعد الأزمات العربية تقليدية أو قابلة للاحتواء عبر بيانات ختامية جامعة، بل أصبحت مركّبة، عابرة للحدود، ومفتوحة على تدخلات إقليمية ودولية كثيفة. وفي ظل هذا التعقيد، برزت أولويات وطنية متباينة، بل متناقضة أحيانًا، جعلت من الصعب صياغة تعريف موحّد للأمن القومي العربي. وهكذا، تراجعت فكرة “الموقف العربي الواحد” لصالح مقاربات متعددة، لكل دولة حساباتها وتحالفاتها. ولعل أخطر ما أصاب ديبلوماسية القمم ليس فقط تضارب المصالح، بل غياب الثقة. فالعلاقات البينية العربية لم تعد تقوم على افتراض حسن النية، بل على حسابات الحذر والتوجّس. وفي بيئة كهذه، يصبح القرار الجماعي عبئًا لا مكسبًا، ويتحوّل التوافق إلى حدّه الأدنى: لغة عامة، وصياغات مرنة، وتأجيل دائم للملفات الشائكة. أما القضية الفلسطينية، التي شكّلت لعقود محور الإجماع العربي، فقد أصبحت بدورها ساحة اختلاف في الأدوات والرؤى، رغم ثبات الموقف المبدئي. وهذا التحول لم يضعف فقط مركزية القضية، بل أضعف أيضًا أحد أهم دوافع انعقاد القمم بوصفها مساحة لتوحيد الجهد العربي حول قضية جامعة. في المقابل، صعدت أنماط بديلة من العمل السياسي: قمم ثنائية، تكتلات إقليمية مصغّرة، وتحالفات ظرفية خارج الإطار العربي التقليدي. لم يعد القرار يُصنع بالضرورة على الطاولة العربية المشتركة، بل في مسارات موازية، أكثر مرونة وأسرع استجابة، لكنها أقل تمثيلًا للمجموع العربي. وهنا تكمن المفارقة: كلما ضعفت القمم، ازداد تفتت القرار، وكلما تفتت القرار، تراجعت الحاجة إلى القمم. إن استمرار هذا المسار ينذر بتآكل فكرة “النظام العربي” ذاته، وتحويل القضايا العربية إلى ملفات تُدار من خارج الإطار العربي، أو عبره شكليًا. فغياب الفعل العربي الجماعي لا يخلق فراغًا، بل يفتح الباب أمام قوى أخرى لملئه، وفق مصالحها لا وفق أولويات العرب. ومع ذلك، فإن القول باختفاء ديبلوماسية القمم يبقى مبالغة، فهي لا تموت، بل تعيش حالة تحوّل. والسؤال الحقيقي ليس: هل ستختفي؟ بل: بأي شكل ستستمر؟ وهل يمكن إعادة تعريفها بما يجعلها أداة فاعلة لا منصة خطابية؟ ربما لم يعد ممكنًا استعادة نموذج القمة التقليدية التي تجمع الجميع على قرارات كبرى. لكن الممكن—بل الضروري—هو تطوير نماذج أكثر مرونة داخل الإطار العربي، تقوم على تكتلات وظيفية تتوافق على ملفات محددة وتتحرك بآليات تنفيذ واضحة. فالعبرة لم تعد في شمولية التمثيل، بل في فاعلية الإنجاز. الخلاصة أن أزمة ديبلوماسية القمم العربية ليست في انعقادها، بل في قدرتها على إنتاج قرار ملزم ومؤثر. إنها أزمة إرادة قبل أن تكون أزمة أدوات، وأزمة ثقة قبل أن تكون أزمة تنسيق. وإذا لم تُعالج هذه الجذور، ستبقى القمم قائمة في الشكل، غائبة في الفعل، شاهدة على زمنٍ عربيٍّ يتحدث كثيرًا… ويفعل قليلًا.
حكومة نتنياهو تصادق على شراء سربين جديدين من مقاتلات "إف-15" و"إف-35"
اليوم 66..حرب إيران تدخل منعطف جديد مع مقترح الـ 14 بند وتردد ترامب
في هجوم جديد..كارلسون: لا ينبغي لأمريكا أن تتصرف وفقا لمصلحة دولة صغيرة
بلومبيرغ: إم إس سي تطلق مسار شحن تجاري جديد يتجاوز مضيق هرمز
إيران ترد على "مقترح أمريكا" بخطة لإنهاء الحرب: 14 × 9
💬 التعليقات (0)