الأحد 03 مايو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس
يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في لحظة وطنية شديدة الحساسية، تتداخل فيها التحديات الوجودية مع حالة من الانسداد السياسي غير المسبوق، بما يجعل هذا الحدث يتجاوز كونه محطة تنظيمية دورية إلى كونه اختباراً حقيقياً لقدرة الحركة على إعادة تعريف ذاتها ودورها، لا سيما أن السياق العام لم يعد يحتمل تكرار الأنماط التقليدية في إدارة المؤتمرات، بل يفرض مقاربة مختلفة تنطلق من إدراك عميق بأن المشروع الوطني الفلسطيني يمر بمرحلة إعادة تشكيل، في ظل تصاعد سياسات الاحتلال ومحاولاته فرض وقائع نهائية على الأرض والهوية.وضمن هذا التحول في السياق، تتجه الأنظار إلى حركة فتح بوصفها الفاعل المركزي في بنية النظام السياسي الفلسطيني، وصاحبة الإرث التاريخي في قيادة المشروع الوطني، لكن دون أن يعني أن هذا الإرث، رغم ثقله، يعُد كافياً بذاته لضمان استمرار الدور، إذ باتت شرعية الحركة السياسية مرتبطة بقدرتها على مراجعة مسارها وإعادة إنتاج نفسها بما ينسجم مع التحولات المتسارعة داخلياً وخارجياً، الأمر الذي يجعل التحدي الحقيقي ليس الحفاظ على المكانة، بل إثبات استحقاقها من جديد.هذا الاستحقاق المشار إليه إنما يتصل مباشرة بطبيعة الأزمة التي تواجهها الحركة، وهي أزمة لا يمكن فصلها عن الانسداد الكامل في الأفق السياسي، حيث تحولت مسارات التسوية من أدوات يُفترض أن تقود إلى التحرر، إلى قيود تكبل القرار الوطني، الأمر الذي أتاح للاحتلال توسيع سيطرته، مستفيداً من الجمود السياسي وتراجع الفعل الوطني، الأمر الذي يجعل الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء البدائل ليس خياراً، بل ضرورة، وهو انتقال يستحيل تحقيقه دون مراجعة عميقة للخيارات التي حكمت المرحلة السابقة.غير أن هذه المراجعة، لكي تكون ذات معنى، فإنه من غير المقبول أن تبقى محصورة في السياسات، بل يجب أن تمتد إلى جوهر هوية الحركة نفسها، فسنوات الانخراط في العمل السلطوي لم تترك أثرها على الأداء فقط، بل طالت طبيعة الدور، وأضعفت البعد التحرري في الخطاب والممارسة، ما وسّع الفجوة بين الحركة وقاعدتها الشعبية، وبالتالي لم تعد مسألة استعادة الهوية التحررية ترفاً فكرياً، بل أصبحت مدخلاً لازماً لإعادة بناء الشرعية السياسية وإعادة وصل الحركة بجمهورها.وفي هذا السياق، فإنه لا يمكن تجاهل أن هذه الفجوة تعمقت أكثر في ظل الانقسام الفلسطيني، الذي لم يقتصر أثره على البنية السياسية، بل طال وحدة المشروع الوطني ذاته، وعليه، فإن أي محاولة لاستعادة الدور لا يمكن أن تنجح دون مقاربة جدية لهذا الملف، بما يجعل من المؤتمر فرصة لإعادة بناء الشراكة الوطنية على أسس تتجاوز الإقصاء والتفرد، وتعيد الاعتبار للإطار الجامع.غير أن الرهان على أدوار كبرى يظل فارغاً، إذا لم يُسند بإصلاح داخلي حقيقي، إذ إن البنية التنظيمية للحركة تعاني من اختلالات واضحة، تتجلى في الترهل وضعف المؤسسية وغياب المساءلة، وهذه ليست مجرد مشكلات إدارية، بل عوامل تقوّض القدرة على الفعل والتأثير. ولهذا، فإن أي حديث عن التحول يفقد مصداقيته ما لم يقترن بإصلاح عميق يعيد الاعتبار للنظام الداخلي، ويعزز العمل الجماعي، ويفتح المجال أمام تجديد فعلي في النخب القيادية.واتصالاً بمسألة الإصلاح الداخلي، فإن ثمة مسألة لا تقل أهمية، وهي العلاقة بين الحركة والسلطة الوطنية، حيث أدى التداخل بينهما إلى تآكل الحدود بين الدورين، وتحميل الحركة تبعات الأداء الحكومي، بما انعكس سلباً على صورتها ودورها، الأمر الذي يوجب إعادة تعريف هذه العلاقة التي لم تعد مسألة تنظيمية، بل ضرورة سياسية لضمان استقلالية القرار الحركي، وإعادة توجيه وظيفة السلطة نحو خدمة مشروع الصمود والمواجهة.وانطلاقاً من ذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة الفعل الوطني ذاته عبر استراتيجية نضالية شاملة، لا تقوم على أداة واحدة، بل على تكامل أدوات المقاومة الشعبية والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، أما نجاحها فيبقى مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الواقعية السياسية وعدم السقوط في فخ التكيف مع الأمر الواقع، وهو ما يتطلب قيادة تمتلك رؤية وقدرة على المبادرة.وعطفاً على ما سلف، جميع تلك المسارات تتقاطع عند نقطة واحدة، بل هي كلمة السر، وهي مسألة الثقة الشعبية، ذلك أن الحركة، مهما امتلكت من تاريخ أو أدوات، لا يمكن أن تستعيد دورها دون استعادة ثقة الشارع، وهي ثقة تضررت بفعل تراكم الأخطاء وغياب المساءلة، وحتى يتم استعادتها، فانه لا بد من قرارات ملموسة تعكس جدية في الإصلاح، وانحيازاً واضحاً للوحدة، والتزاماً فعلياً بخيارات النضال.وبناءً على ذلك، فإن مسألة تشكيل القيادة الجديدة تكتسب بعداً حاسماً، إذ لم يعد مقبولاً إعادة إنتاج التوازنات التقليدية، بقدر ما أصبح مطلوباً تشكيل قيادة قادرة على إدارة مرحلة انتقالية معقدة، وفي هذا الإطار، يغدو معيار الكفاءة السياسية والالتزام بالهوية التحررية والنزاهة والعمل الجماعي، إلى جانب الجرأة في اتخاذ القرار، هو الفيصل الحقيقي، لا الأقدمية أو النفوذ، وأي قيادة لا تعكس تمثيلاً متوازناً، ولا تمتلك قبولاً شعبياً، ولا تستطيع التواصل مع الشارع، ستظل عاجزة عن أداء دورها، مهما بدت متماسكة تنظيمياً، ولضمان وصول هذا التمثيل فإن الواجب فرضاً توفر الشفافية في اختيارها، وإلا فإن غيابها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بصيغ جديدة.وحتى يحقق المؤتمر الثامن مبتغاه، فإن الحرص والجهد يجب أن يأخذا بعين الاعتبار أنه لا يواجه اختباراً تنظيمياً، بل امتحاناً سياسياً وأخلاقياً مفتوحاً على المستقبل، فإما أن ينجح في كسر حلقة الجمود وإعادة تعريف الدور، أو يكرس واقعاً لم يعد قابلاً للاستمرار، وما سيحسم فيه لن يكون مجرد تشكيل قيادة، بل اتجاه مرحلة كاملة، وأنه لم يعد الرهان على ما يُقال، بل على ما يُفعل، ولا سيما أن الجميع يمر في لحظةٍ تضيق فيها الخيارات التي لم يعد ممكناً التوفيق فيها بين مسارين متناقضين: إما إعادة بناء حركة قادرة على قيادة مشروع تحرري جامع، أو الاستمرار في إدارة تراجع يفقد مع الوقت مبرراته ومعناه. وعليه، فإن الأصل أن يكون ما بعد المؤتمر لا يشبه ما قبله: إما بداية جديدة، أو تأكيد أن الفرصة قد أُهدرت.* أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية في كلية الدراسات العليا بالجامعة العربية الأمريكية
المؤتمر الثامن لـ"فتح": بين اختبار التحول واستحقاق استعادة الدور
المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)