f 𝕏 W
حركة "فتح" بين إرث التحرر وواقعية الدولة

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

حركة "فتح" بين إرث التحرر وواقعية الدولة

الأحد 03 مايو 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

حركة "فتح" (حركة التحرير الوطني الفلسطيني) أحد أبرز الفاعلين في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، ليس فقط بوصفها حركة تحرر وطني، بل باعتبارها الإطار الذي صاغ، إلى حدّ كبير، ملامح النظام السياسي الفلسطيني الحديث. فمنذ تأسيسها حملت الحركة المشروع الوطني عبر مراحله المختلفة، واستطاعت أن تتكيّف مع تحولات الواقع دون أن تفقد مركزيتها.حركة "فتح" اليوم مطالبة بالبقاء والاستدامة لإثبات قدرتها على القيادة في لحظة تتآكل فيها الحقوق السياسية تحت ضغط الاحتلال، والاستيطان والانقسام، واستهداف كل فلسطيني ومحاولات القضاء على حق تقرير المصير إضافة للتحولات الإقليمية والدولية، تصبح الحاجة في فتح اليوم إلى إطار وطني جامع يتجه نحو المستقبل مع الحفاظ على الارث. ففتح، التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للمشروع الوطني، تجد نفسها أمام جمهور فلسطيني وإقليمي ودولي، الجميع يترقب.منذ تأسيسها، مثّلت حركة "فتح" نقطة تحول في التاريخ السياسي الفلسطيني، إذ أعادت الاعتبار للهوية الوطنية بعد نكبة عام 1948، وطرحت مشروعًا تحرريًا جامعًا لم يقم على أيديولوجيا مغلقة، بل على براغماتية سياسية أتاحت لها استيعاب التنوع الفلسطيني. هذا الطابع البراغماتي مكّنها من الانتقال بين استراتيجيات متعددة: من الكفاح المسلح، إلى المسار التفاوضي بعد الانتفاضة الاولى، وصولًا إلى مرحلة "التدويل" عبر الانخراط في المؤسسات الدولية. غير أن هذه المرونة الاستراتيجية، رغم ضرورتها في لحظاتها التاريخية، لم تكن خاليًة من التحديات. فبين التحول من حركة تحرر إلى سلطة حاكمة، برزت معضلة جوهرية تواجه معظم حركات التحرر بعد الانتقال: كيف يمكن الحفاظ على الشرعية النضالية التحررية في ظل متطلبات الحكم والأمن، وكيف يمكن تحويل رأس المال النضالي إلى شرعية مؤسسية مستدامة في ظل الدولة، وفي ظل واقع يتسم بالإبادة في غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وتآكل أفق الحل السياسي، لم يعد كافيًا استحضار التاريخ أو إعادة إنتاج الخطاب. التحدي الحقيقي يكمن في خطة وقيادة متجددة تعتمد على المشاركة، والمساءلة والتمثيل الشرعي لمخاطبة العالم بأدواته ولغته بعيداً عن شعارات الماضي وهتافات النصر التي تستخف بالعقول. في هذا السياق، يبرز المؤتمر الثامن لحركة "فتح" بوصفه محطة مفصلية تتجاوز البعد التنظيمي، ليحمل دلالات سياسية عميقة. فهو ليس مجرد إجراء داخلي، بل تعبير عن حيوية تنظيمية تميّز الحركة، وفرصة لإعادة تقييم المسار وتجديد النخب القيادية وتعزيز الحوار الوطني. ورغم ما قد يُقال عن آليات "الهندسة"، تبقى الحقيقة الأهم أن انعقاد المؤتمر بحد ذاته يمثل فعلًا سياسيًا متقدمًا يفرض حقاً سياسياً في الأرض الفلسطينية، ما يخالف رغبة حكومة اليمين الإسرائيلية، وهذا يؤكد قدرة الحركة على إعادة إنتاج نفسها بما يتناسب مع تحديات المرحلة بضرورة تفعيل دور الحركة في مرحلة حرجة لا تنظر للقيادة كامتياز، بقدر ما هي مسؤولية سياسية مشروطة بالإنجاز والتمثيل الحقيقي والشرعي.تأتي هذه اللحظة السياسية مترافقة مع قرارات قيادية مفصلية تعكس محاولة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس ديمقراطية ومؤسسية. فقد جاءت دعوة الرئيس محمود عباس إلى الانتخابات المحلية، والانخراط في جهود صياغة دستور فلسطيني انتقالي، وانتخابات المجلس الوطني إلى جانب الدعوة لعقد المؤتمر الثامن للحركة، كخطوات تعكس إرادة سياسية نحو تجديد الشرعية وتعزيز النظام السياسي الذي يعود للشعب كمصدر للسلطات. قد يرى البعض أن كل هذه الإجراءات مرتبطة بسلة شروط خارجية، بغض النظر عن المسببات والضغوط، الحقيقة الراسخة أن هذه القرارات فرصة ولا يمكن قراءتها بمعزل عن الحاجة إلى إعادة تثبيت المواطن على الأرض وضرورة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وترسيخ مبدأ المشاركة السياسية واستقلال القرار الوطني.إن التحدي الأكبر لا يكمن في إطلاق هذه المبادرات أو عقد الموتمرات، بل في مخرجاتها وقدرتها على حفظ البوصلة الوطنية. فنجاح المؤتمر، وما سينبثق عنه من رؤى وقيادات، عامل حاسم في توجيه المرحلة المقبلة، وضمان أن تبقى "فتح" وفية لدورها كحركة تحرر وطني وكإطار جامع وحدوي عنوانه فلسطين.إن استعادة هذا الدور يتطلب الانتقال نحو أفق جديد- استراتيجية رابعة تنبع من الداخل وبشكل مستدام نحو المستقبل تضع غزة وحق تقرير المصير والأسرى واللاجئين والإصلاح المؤسسي والشباب والعلم في صلب المشروع الوطني. هذه الاستراتيجية تقوم على أربعة مرتكزات: توحيد المؤسسات السياسية والجغرافية، تجديد الشرعيات عبر الانتخابات، دمج الداخل والشتات في إطار تمثيلي جامع، وتطوير أدوات النضال لتشمل القوة الناعمة، من دبلوماسية ورواية وتكنولوجيا. وفي قلب هذه الاستراتيجية، يجب إعادة الاعتبار للقضايا الجوهرية التي تشكّل جوهر المشروع الوطني: غزة والقدس بوصفها اختبارًا لوحدة الجغرافيا، الأسرى كعنوان للكرامة الوطنية، اللاجئون كمرتكز للحق التاريخي، والشباب والمرأة كشريك وكقوة دافعة على أساس الكفاءة والمعايير التنظيمية. أما التكنولوجيا والعلاقات، فهي ساحة نضال جديدة، كل هذه الأدوات هي القوة الناعمة التي تتطلب امتلاك مهارات التأثير وصياغة الرواية الفلسطينية بلغة العصر، بما يعزز الحضور الدولي للقضية ويكسر احتكار السردية بأدوات القرن الواحد والعشرين. هذه العناصر ليست مكملة، بل أساسية في إعادة تعريف الفعل الوطني.في عالم تحكمه تعقيدات النظام الدولي وتوازنات القوى والمصالح في عالم الليبرالية الحديثة، تبرز الواقعية السياسية كضرورة، لكن دون أن تتحول إلى تنازل عن الثوابت الوطنية. وهنا يكمن التحدي: كيف يمكن لفتح الجمع بين البراغماتية والوطنية، بين الدبلوماسية والصمود، وبين الارث والمستقبل. إن استعادة اللحمة الوطنية وشرعية التمثيل تعني إعادة الوصل من المخيمات إلى المدن، ومن الشتات إلى الداخل؛ من لبنان وسوريا ومصر والجزائر وتشيلي، إلى رام الله والقدس وغزة. إنها مسؤولية تاريخية تضع على عاتق "فتح" أن تكون المظلة الجامعة التي تنهض بغزة من تحت الركام وتحمل القضية الفلسطينية ليس كضحية بل كرواية صمود، على "فتح" أن تلتفت لحقيقة أن من ينتصر في معارك اليوم هو من تنتصر روايته، وهذا النوع من الانتصارات له أدواته.إن الرهان اليوم ليس على الماضي، بل على القدرة على صناعة المستقبل. "فتح" مدعوة، خاصة في هذا المفترق التاريخي والصراع الوجودي الذي يتهدد القضية الفلسطينية، لأن تلتقط فرصة استعادة زمام المبادرة، وإعادة تعريف الأولويات الوطنية بما ينسجم مع أسس قيامها في قيادة الشعب الفلسطيني نحو الحرية وتقرير المصير.وبين إرث التحرر ومتطلبات الدولة، يتجدد التحدي في تحقيق معادلة دقيقة: قيادة واقعية، ووحدة شاملة، وأدوات نضال حديثة. الجميع يترقب، وعلى "فتح" التي نعرفها ونؤمن بها ألا تضيع الفرصة في إخراج تمثيل سياسي فاعل، يعكس إرادة شعب يستحق الحرية يستحق الحياة.

حركة "فتح" بين إرث التحرر وواقعية الدولة

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)