لم يكن في المشهد ما يوحي بالخطر؛ شارعٌ هادئ نسبيًا في شمال قطاع غزة، بقايا ركام، وأجسام متناثرة تركتها الحرب خلفها كأنها انسحبت على عجل.
بالنسبة لطفل في الثانية عشرة من عمره، مثل محمد أبو عودة، بدا كل شيء أقرب إلى فضولٍ مفتوح… لا إلى موتٍ مؤجل.
خرج محمد من منزله كما يفعل أي طفل، لا يحمل في ذهنه سوى يومٍ عادي في مدينة اعتادت أن تُخفي الخطر داخل تفاصيلها. وبين الحجارة وبقايا المعادن، لفت انتباهه جسم غريب. لم يكن يعرف أنه من مخلفات الحرب، ولم يخبره أحد أن بعض الأشياء يتركها الاحتلال لتنفجر لاحقًا.
اقترب؛ وفي لحظة واحدة، انقلب كل شيء. دوّى انفجارٌ قصير، حاد، مزّق الصمت، وبدّل المشهد بالكامل. لم يكن هناك وقت للهرب، ولا فرصة للفهم. حين وصل من حوله إليه، كان محمد قد فقد القدرة على رؤية العالم. أصابته الشظايا في وجهه ويديه، وأُصيب بإصابات بالغة أدت إلى فقدانه البصر وبتر عدد من أصابع يده.
أُسعف إلى المستشفى، حيث بدأت تتضح ملامح الفاجعة.
هناك، كان محمد يجلس إلى جانب والده، جسده الصغير مثقلًا بالألم، وصمته أثقل من الجراح. لم يكن يرد على من حوله، فلا كلمات هنا في حضور الألم. إلى جواره، كان والده يحاول أن يثبّت ما يمكن تثبيته من هذا العالم المنهار. قال بصوتٍ مكسور لكنه متماسك: "والله إن هذا اللغم لم يُصِب عيني محمد فقط… بل أصاب قلبي.
💬 التعليقات (0)