يدخل العالم اليوم مرحلة انكسار تاريخي غير مسبوق في مجال حرية الصحافة، حيث لم تعد الكلمة تلك الأداة التي تهدم جدران الاستبداد كما كانت سابقاً. ويشير تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 إلى أن حرية التعبير بلغت أدنى مستوياتها منذ ربع قرن، مما يعكس مشهداً قاتماً تتسع فيه رقعة القمع وتضيق فيه مساحة الحقيقة.
الأرقام الواردة في التقرير الدولي ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي خرائط تعكس واقعاً سياسياً وأخلاقياً مضطرباً يعيشه المجتمع الدولي. فقد باتت أكثر من نصف دول العالم تُصنف ضمن البيئات الصعبة أو الخطيرة جداً للعمل الصحفي، وهو مؤشر خطير على تراجع المكتسبات الحقوقية التي تحققت عبر عقود.
ومن المثير للقلق أن نسبة السكان الذين يعيشون في دول تتمتع بصحافة حرة فعلاً قد تراجعت إلى أقل من 1%، وهي مفارقة قاسية في عصر يدعي التقدم التكنولوجي والمعرفي. هذا التراجع يضرب أحد أهم أعمدة الديمقراطية، وهو الحق الأصيل للمواطنين في الوصول إلى المعلومة الصحيحة والمستقلة.
تاريخياً، ارتبط صعود الوعي السياسي بحرية الصحافة التي كانت مرآة للتحولات الاجتماعية الكبرى منذ القرن التاسع عشر. إلا أن ما نشهده اليوم هو عودة مقنعة لمنطق السيطرة الأمنية، ولكن باستخدام أدوات رقمية وتشريعية أكثر تعقيداً تهدف إلى تدجين الصوت الحر وتحويله إلى متهم دائم.
تبرز المأساة بأبشع صورها في مناطق النزاع، حيث وثقت المنظمات الدولية استشهاد أكثر من 220 صحفياً في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. هذه الحصيلة الدموية لا تمثل خسارة بشرية فحسب، بل تعبر عن انهيار كامل لوظيفة الحماية التي يفترض أن يوفرها القانون الدولي الإنساني للصحفيين.
إن استهداف الصحفيين في الميدان يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف التي تجرم الاعتداء على المدنيين والراصدين في النزاعات المسلحة. ومع ذلك، تتسع الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق على أرض الواقع، حيث يُعامل الصحفي كخصم في الصراع بدلاً من كونه شاهداً مهنياً على الأحداث.
💬 التعليقات (0)