أمد/ لم يكن موقف رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب، خلال الجمعية العمومية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في فانكوفر، حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد امتناع عن مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي، بل شكّل لحظة سياسية وأخلاقية وقانونية ذات دلالات تتجاوز حدود الرياضة إلى عمق الصراع على الرواية والحقوق والشرعية الدولية.
فالمنصة التي أريد لها أن تكون ساحة مجاملة دبلوماسية، تحولت بفعل الموقف الفلسطيني إلى ساحة مساءلة للنظام الدولي الرياضي، وإلى سؤال كبير موجّه للعالم: هل المطلوب من الضحية أن تصافح جلادها بينما تستمر الانتهاكات على الأرض؟ وهل تتحول البروتوكولات إلى غطاء لإسكات الحقائق وتجميل واقع الاحتلال؟
لقد جاء موقف الرجوب منسجماً مع جوهر القضية المطروحة أمام الفيفا، وهي استمرار أندية إسرائيلية في العمل داخل المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يخالف مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ولوائح الفيفا نفسها التي تمنع أي اتحاد من تنظيم مسابقات على أرض اتحاد آخر دون موافقته. وبالتالي فإن القضية ليست نزاعاً سياسياً كما يحاول البعض تصويرها، بل قضية احترام قواعد المؤسسة الرياضية الدولية ذاتها.
من هذا المنطلق، فإن رفض المصافحة لم يكن رفضاً للسلام، بل رفضاً لاستخدام الرمزية لتجاوز جوهر المشكلة. فالمصافحة في مثل هذه المحافل تحمل رسائل سياسية، وعندما تُفرض في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والتمييز، فإنها تتحول إلى محاولة لإنتاج مشهد زائف يوحي بأن الأمور طبيعية، بينما الواقع يقول غير ذلك.
الأهم من ذلك أن الاتحاد الفلسطيني لم يكتفِ بالموقف الرمزي، بل أعلن اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي (كاس)، في خطوة تؤكد انتقال المعركة إلى ساحة القانون والمؤسسات. وهذه رسالة بالغة الأهمية للعالم، مفادها أن الفلسطينيين لا يطالبون بامتيازات خاصة، بل يطالبون فقط بتطبيق القواعد ذاتها على الجميع دون انتقائية أو استثناء.
إن التناقض الأكبر ظهر في موقف الفيفا نفسه. فحين تعترف لجانه بوجود مخالفات تتعلق بالتمييز والسلوك العدواني، ثم تكتفي بعقوبات محدودة لا تمس جوهر المشكلة، فإن ذلك يضع مصداقية المؤسسة الدولية على المحك. فالقانون الذي يشتد على طرف ويتراخى أمام طرف آخر، يفقد هيبته ومعناه.
💬 التعليقات (0)