تفرض اللحظة الراهنة ضرورة إعادة قراءة المشهد الإخباري السائد بعيداً عن العواطف غير المتزنة التي قد تحول الأقلام إلى أبواق لجهات تمارس الظلم تحت ستار المظلومية. إن الوعي الكامل بمخرجات الربيع العربي يوجب علينا تذكر أن من خرب طموحات الشعوب في الحرية لا يمكن أن يكون حليفاً صادقاً في معارك التحرير.
لقد شكلت فلسطين لسبعين عاماً نقطة ضعف استغلتها الأنظمة العربية لجر الشعوب خلف وعود التحرير الزائفة، مما أدى إلى تأجيل استحقاقات الحرية والديمقراطية في الأقطار العربية. وبمرور الزمن، اكتشفت الشعوب أن هذه الأنظمة لم تحرر شبراً من الأرض، بل كانت في بعض الأحيان أكثر فتكاً بالدم الفلسطيني من الأعداء الواضحين.
عاش نظام الاستبداد العربي على ترويج خطاب التحرير كأداة لمصادرة الأمل في التنمية والكرامة، لكن الربيع العربي كشف هذه الخديعة بوضوح تام. أثبتت الشعوب بفطرتها أن تحرير فلسطين هو قضيتها هي، وليست قضية الأنظمة سواء كانت تدعي القومية والتقدمية أو توصف بالرجعية والعمالة.
ارتبطت في وجدان الجماهير معادلة واضحة مفادها أن 'الشعب يريد إسقاط النظام وتحرير فلسطين'، وهي مقاومة شاملة تستهدف الاستبداد المحلي والاحتلال الصهيوني في آن واحد. هذا الربط يعكس إدراكاً بأن الطريق إلى القدس يمر حتماً عبر عواصم عربية حرة ومستقلة في قرارها وإرادتها.
في هذا السياق، يبرز التساؤل حول الدور الإيراني وخطاب الممانعة الذي أربك الكثيرين، حيث يرى مراقبون أن رصاص إيران وخطابها يخدمان مصالحها القومية أولاً. إن استخدام القضية الفلسطينية كذريعة لا يستقيم مع ممارسات المليشيات التي ساهمت في تحطيم الثورة السورية، وهي الحلقة الأصيلة من حلقات الربيع العربي.
الثورة السورية انطلقت ضد نظام استبدادي كان يرفع شعارات التحرير دون أن يطلق رصاصة واحدة نحو الاحتلال، بل وجه سلاحه نحو صدور شعبه. وإذا كانت النوايا الإيرانية صادقة في ممانعتها، لكان من الأجدى أن تقف مع تطلعات الشعب السوري بدلاً من قمعها وتدمير حواضنها.
💬 التعليقات (0)