تجسّد علاقتي الفكريّة والإنسانيّة بالشاعر الراحل د. محمّد حلمي الريشة نموذجاً للصداقة الأدبيّة، القائمة على أركان راسخة من الحوار الإبداعيّ، والنقد الرصين، والعمل التحريريّ، إلى جانب رفقة ميدانيّة حيّة شهدت حضور العديد من الندوات والأمسيات والتفاصيل اليوميّة في مدينتي نابلس ورام الله. وإليكم تفاصيل كلّ هذه الجوانب.
كان الدكتور محمّد حلمي الريشة قامة ثقافيّة متعدّدة الأبعاد؛ فقد كان الشاعر والكاتب والمترجم والمحرّر الثقافيّ وصانع المجلّات الأدبيّة والمصمّم الجرافيكي الذي يحبّ أصدقاءه ويغمرهم بودّ صادق، تاركاً أثراً عميقاً في النفس ليس من السهل أن يتبدّل أو يزول، ولم تكن علاقتي به علاقة زمالة أدبيّة عاديّة، وإنّما كانت حواراً متّصلاً بين تجربة شعريّة ونقديّة متمرّسة قادها، وتجربة نقديّة وشعريّة واصلتُ بنيانها، حيث تبادلنا القراءة والرأي والإهداءات والمخطوطات والكتب في مسيرة امتدت لسنوات زادت عن الاثنتي عشرة سنة منذ تعرفت إليه لأوّل مرّة وجاهيّاً عام 2014 في مركز التنوير في مدينة نابلس.
اضطلع الدكتور محمّد حلمي الريشة بريادة تحريريّة رفيعة المستوى، تجسّدت في رئاسته وإدارته لمجموعة من المجلّات الأدبيّة في فلسطين، وفي مقدّمتها مجلّة "مشارف مقدسيّة"، ومجلّة "القصيدة"، ومجلّة "ديوان الآن"، وكانت هذه المنابر الثقافيّة تُمثّل حاضنات للمشروع الشعريّ والنقديّ العربيّ، ومساحات التفّ وتآلف حولها المبدعون، فقد صدر من مشارف سبعة أعداد كنت حاضراً فيها، ناقداً أو شاعراً، وكذلك في العدد الوحيد من مجلّة القصيدة وأخيراً مجلّة "الديوان الآن" الذي تحدّى بها الظروف المادّيّة القاسية ومحدوديّة التمويل وسرقة المخصّصات فجعلها مجلّة إلكترونيّة وازنة جمع فيها عشرات الكتّاب من فلسطين والوطن العربيّ، إضافة إلى عمله في بيت الشعر الفلسطينيّ الذي لم يعد له وجود يُذكر إلّا وجوداً شكليّاً بعد أن تقاعد وكان رئيساً له.
لقد شهدت هذه المجلّات نشاطاً أدبيّاً ونقديّاً لافتاً مواكباً للشعريّة العربيّة- وكانت آخر المجلّات الأدبيّة صدوراً في فلسطين- وجدتُ في تلك المجلّات فضاءً يتيح لنصوصي ودراساتي النقديّة أن تشقّ طريقها إلى جمهور مثقّف ونخبويّ كان يعمل الريشة على صناعته وبنائه وتسويق أفكاره، وقد كان الريشة يتعامل مع ما أقدّمه بعناية المحرّر الفذّ الشغوف بالجمال، فيحرص على توفير المساحات اللائقة بتلك المشاركات الشعريّة والنقديّة، مقتنعاً بأنّ ما أقدّمه يمنح إضافة جادّة للمشهد الثقافيّ العربيّ، وأثمر هذا التعاون الممتدّ في المجلّات الثلاث عن تعميق الصلات الفكريّة بيننا، وترسيخ ثقة متبادلة جعلت منه راعياً ومتابعاً ومحاوراً لنتاجي الإبداعيّ والنقديّ، وأشركني معه في العمل على تحرير ديوان الشاعر الفلسطينيّ الراحل "أنطون شوملي".
وعلى الجانب الآخر، فقد تجلّت محبّة الريشة وتقديره الكبير لما أقدّمه من طرح نقديّ وكتابة شعريّة في محطّات مفصليّة تمثّلت في التظهير والتقديم والشهادات النقديّة، فعندما أتممت مخطوطة كتابي النقديّ "بلاغة الصنعة الشعريّة"، اطّلع عليها الريشة، وكتب رأياً نقديّاً رصيناً ينضح بالاحتفاء والشعور الصادق، وقد جاء في نصّ رسالته وتقريظه لمخطوط الكتاب قوله: "أخي الشاعر والناقد فراس حج محمّد قرأت كتابك قراءة أولى؛ فيه فتوحات نقديّة جديدة عبرت عدّة عصور في تاريخ الشعر إلى الآنيّ، وأنا لن أتخلّى عن رأيي أنّنا نشهد حضوراً لناقد".
إنّ هذه الشهادة الصادرة من قامة بحجم الريشة مثّلت إشادة رصينة ومهمّة ودالّة بولادة مسار نقديّ ينفذ إلى جوهر النصّ الشعريّ عبر أزمنة مختلفة، ولم يتوقّف احتفاؤه بنصوصي عند الكتاب النقديّ، بل امتدّ إلى تجربتي الشعريّة؛ إذ كتب كلمة على ظهر غلاف ديواني "وأنتِ وحدكِ أغنية" والإشراف على طباعته، مؤكّداً ثقته بالنبرة الشعريّة الخاصّة التي أقدّمها في تلك القصائد، وما زلت أفخر بهذا التظهير الذي أعتبره شهادة شعريّة يسوقها الشاعر الكبير لشاعر جديد بصوت مختلف، يدخل بهذا التوليفة الشعريّة إلى مجتمع ثقافيّ مكتظّ بالشعراء والأسماء الكبيرة، فكتب هذه الشهادة:
التعليقات (0)