لا تكمن أهمية تراجع حزب شاس الحريدي الشرقي من 11 مقعداً إلى ستة في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة في حجم الخسارة الانتخابية وحده، بل في ما تكشفه هذه النتيجة عن تفكك التحالف الاجتماعي الذي مكّن الحزب، على مدى عقود، من الجمع بين جمهورين مختلفين في مصالحهما وتوجهاتهما: الحريديم الشرقيين من جهة، والشرقيين التقليديين الذين يحافظون على هويتهم الدينية والاجتماعية، لكنهم يعملون وينخرطون في مؤسسات الدولة، ويؤدي أبناؤهم الخدمة العسكرية، من جهة أخرى.
يفسر بعض المحللين خسارة شاس الانتخابية بعجز قيادته عن إدراك التحولات التي طرأت على قاعدته الانتخابية، وبغياب من يجرؤ على إخبار أرييه درعي بما لا يريد سماعه. وهذه دلالة تتجاوز أزمة القيادة الشخصية، لتطرح سؤالًا أوسع عن قدرة الأحزاب الإسرائيلية على الحفاظ على تحالفات اجتماعية متناقضة المصالح، في ظل الحرب وتصاعد الخلافات بشأن التجنيد الإجباري وتوزيع الأعباء والموارد.
استطاع شاس، بقيادة درعي، أن يبني نفوذه على الجمع بين الهوية الدينية الشرقية، والشعور بالتمييز الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات من اليهود الشرقيين، وشبكات الخدمات والمؤسسات الدينية والاجتماعية، إلى جانب المشاركة في الحكومات والائتلافات السياسية. ولم يكن جميع ناخبيه حريديم بالمعنى الاجتماعي الصارم، فقد استقطب الحزب أيضاً جمهوراً تقليدياً يجمع بين التدين والانخراط في الحياة العامة الإسرائيلية.
كان شاس حزباً لأناس يؤدون طقوس السبت ثم يذهبون إلى البحر يوم السبت. تختصر هذه العبارة التحول الذي طرأ على الحزب، الذي كان يجمع بين الحريديم والشرقيين التقليديين، بمن فيهم من يحافظون على بعض الطقوس الدينية من دون الالتزام بنمط الحياة الحريدي. كما أن مؤتمرات شاس في ثمانينيات القرن الماضي كانت تضم متدينين وتقليديين وعلمانيين، بينما أصبح الحزب اليوم أكثر انغلاقًا داخل المجتمع الحريدي، مع تنامي نفوذ الحاخامات الليتوانيين، وفي مقدمتهم الحاخام دوف لاندو، الذي بات صاحب الكلمة الحاسمة في قرارات الحزب.
منح هذا التنوع شاس قاعدة انتخابية أوسع من حدود المجتمع الحريدي، وسمح لقيادته بمخاطبة جماعات مختلفة بخطابات ووعود تتناسب مع أولوياتها. غير أن هذا التوازن كان يعتمد، في جانب منه، على قدرة درعي على تأجيل التناقضات بين تلك الجماعات أو احتوائها.
جاءت الحرب بعد السابع من أكتوبر لتجعل هذه التناقضات أكثر حدة. فقضية إعفاء الحريديم من التجنيد لم تعد خلافاً داخل الائتلاف الحكومي فحسب، بل أصبحت اختباراً للعدالة في توزيع الأعباء، خصوصاً في مجتمع يعيش حالة حرب، ويُطلب من جنود الاحتياط فيه الاستمرار في الخدمة، بينما يظل تجنيد قطاعات واسعة من الحريديم موضع نزاع سياسي وقانوني.
التعليقات (0)