في بقعةٍ ضاقت بأهلها حتى صار الموت فيها يتخذ ألف شكلٍ ولون، لم تعد الصواريخ وحدها هي التي تترصد الغزيين؛ فخلف غبار الركام وفي ثنايا الخيام المهترئة التي نصبت على عجل فوق رمال دير البلح وشواطئ القطاع، استيقظ عدوٌ قديم جديد ينهش ما تبقى من جسد الصمود الفلسطيني.
وعلى الرغم من الإعلانات المكررة عن "وقف إطلاق النار" التي لم تكن سوى حبر على ورق أمام آلة القتل المستمرة منذ أكتوبر الماضي، يواجه النازحون اليوم "نكبة بيئية" لا تقل ضراوة عن القصف.
فبينما يراقب العالم خرائط القتال، تشكلت في غزة خرائط أخرى للأوبئة؛ جيوش من الجرذان الضخمة، والفئران التي لم تعد تخشى الضوء، وحشرات غريبة مشوهة بفعل التحلل البيئي، باتت تشارك النازحين فراشهم وطعامهم المتشح بالفقر. أخبار ذات صلة وزير الصحة: يحذر من تفشي الأوبئة بغزة مع تصاعد خطر القوارض سلطات الاحتلال تسرق جثمان الطفل المقدسي وديع عليان وتدفنه خفية
هذه الكارثة ليست مجرد صدفة طبيعية، بل هي نتاج مباشر لانهيار المنظومة الخدماتية، وتراكم آلاف الأطنان من النفايات، واختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، مما جعل من خيام النازحين بيئة مثالية لتكاثر كائنات تنقل الموت الصامت عبر عضاتها وفضلاتها، ليعيش الغزي في صراع وجودي مركب: عينٌ ترقب السماء خوفاً من الغارات، وعينٌ ترقب الأرض حذراً من زحف القوارض.
وأكد الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن ما يحدث في غزة هو انهيار كامل للمنظومة الصحية والبيئية، حيث تعجز الطواقم البلدية عن الوصول إلى مكبات النفايات الرئيسية بسبب التدمير الممنهج للطرق والاستهداف المباشر للآليات. النفايات تتراكم الآن في الشوارع وبين مراكز الإيواء بكميات تجاوزت الـ 100 ألف طن، مما حول التجمعات السكانية إلى بؤر عملاقة لتوالد الحشرات والقوارض التي لم يسبق للقطاع رؤيتها بهذه الكثافة والعدائية
وأشار مهنا في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن بلدية غزة وكافة بلديات قطاع غزة فقدت القدرة على السيطرة على انتشار الجرذان والحشرات بسبب نفاد المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية اللازمة لتعقيم المكبات العشوائية، مبيناً أن الحصار المطبق ومنع دخول المستلزمات الأساسية جعل من محاولات المكافحة التقليدية أمراً مستحيلاً، في وقت تزداد فيه شراسة هذه القوارض التي باتت تهاجم المواطنين وتتسبب في أضرار جسدية ومادية كبيرة وسط غياب اللقاحات والأدوية اللازمة.
💬 التعليقات (0)